>الفراعنة السود

10 Feb

>

 ترجمة محمود العودة
عام 730 قبل الميلاد توصل Pianchi ان الطريقة الوحيدة لمنع تمزق الدولة المصرية هو اجتياحها وتوحيدها، ولذلك فقد امر جنوده ان يعتلوا الخيول. مصر العظيمة كانت في طريقها للتحلل والانهيار في صراعات الزعماء المحليين. على مدى عقدين من الزمن كان Pianchi زعيم النوبة، وهي منطقة يقع الجزء الاكبر منها في السودان اليوم. بيانتشي كان يعتبر نفسه الزعيم الفعلي لمصر والوريث الشرعي لارواح الفراعنة العظماء مثل رمسيس وتحتومس. ولكون نيانتشي لم يكن قد زار مصر السفلى في السابق فإن زعماء مصر لم يأخذوا تهديداته على محمل الجد. لقد كتب:” سأجعل مصر السفلى تتذوق محبتي”.

ابحر جنوده في النيل ليهبطوا في طيبة عاصمة مصر العليا. في عصر الفراعنة كانت مصر منقسمة الى عليا ودنيا، والحدود بينهم تقع قرب ممفيس، الى جنوب القاهرة اليوم. الجزء الشمالي كان مصر السفلى ، حيث المركز الاداري الرئيسي في حين ان القسم الجنوبي كانت مصر العليا، وتملك المراكز الدينية والثقافية المهمة. عندما اعطى بيانتشي اوامره لجنوده ان يتهيئوا للقتال كان ذلك يعني ان عليهم الاغتسال في ماء النيل للتطهر قرب معبد الكرنك وهو موقع مقدس لإله الشمس آمون، والذي كان بيانتشي يعتبره إلهه الشخصي وحاميه، ومفاهيم وطقوس التطهير لانزال نراها حتى اليوم في الاديان الحديثة التي اقتبستها عن الاولين.. بعد التوكل على آمون اصبح الجيش جاهزا للحرب.
بعد سنة من المعارك اصبح اغلب الزعماء المحليين جاهزين للاعتراف بزعامة بيانتشي، غير ان الذي ادهشهم ان فرعونهم الجديد جمع جيشه وغنائمه وابحر عائدا الى النوبة، وعلى الاغلب لم يرجع ابدا الى مصر. لقد مات عام 714 قبل الميلاد، بعد حكم استمر 35 سنة، وقام ورثته بتحقيق وصيته في دفنه في أهرام على على شكل الاهرامات المصرية الى جانب اربعة من احب خيوله اليه. غير انه لايوجد اي نصب محفوظ يستطيع ان يخبرنا عن شكل هذا القائد، لقد قام المصريين بمحي كافة الجداريات التي تُظهر شكله. في احدى الجداريات في معبد نوبي بقيت اقدامه فقط. ولكن توجد معلومة عنه لازالت محفوظة تقول ان ” جلده اسود”.

بيانتشي كان اول فرعون اسود من مجموعة من الفراعنة النوبيين حكموا مصر لمدة 75 سنة بإعتبارهم الاسرة الخامسة والعشرين. من خلال جداريات النوبيين وجداريات اعدائهم يمكن رؤية تأثيرهم على المنطقة. لقد خلقوا امبراطورية تمتد حدودها من جنوب خرطوم الحالية الى البحر المتوسط. لقد ناضلوا ضد الاشوريين ولربما كان لهم دور في حماية اورشليم (لم يكن هناك قدس في ذلك الوقت).

لفترة طويلة كان تاريخ الفراعنة السود يعاني من الاهمال. في السنوات الاربعين الاخيرة ازداد الاهتمام به بعد إكتشاف حضارة افريقية مزدهرة على الضفة الجنوبية من النيل، استمرت لمدة 2500 سنة، تحمل من الازدهار درجات لاتقل عن مستواها عند العائلة الفرعونية المصرية الاولى. الاهرامات النوبية ترتفع في صحاري النوبة السودانية، واعدادها تتجاوز اعداد الاهرامات المصرية. في الوقت الذي تتقاطر حافلات السياح الى اهرامات مصر نجد انه بين الاهرامات السودانية يمكن التنقل بسهولة إذ لايوجد سواح او اي اهتمام حكومي، حيث الحكومة مشغولة بإبادة الشعوب الافريقية او الغير مسلمة.

الكورو (El Kuruu) ، نوري (Nuri), وميرويه (Meroë), اهرامات منتصبة بصمت وهدوء، تتكلم عن عظمة الماضي المزدهر وبهتان الحاضر الغارق في رمال التخلف.
الاهمال والرمال الذي تمكنت هذه الاهرامات من الوقوف ضده شامخة على عظمة الماضي وتفاهة الحاضر، ولكن الامر لن يستمر كذلك طويلا. تخطط حكومة الخرطوم لاقامة سد سيكون جاهزا عام 2009، لتغرق تحته شواهد كثيرة لازالت غير مكتشفة، يمكن ان تنهي شواهد عظمة الاولين. لهذا السبب يتسارع الباحثين الى المنطقة لانقاذ مايمكن انقاذه من هذه الكارثة الثقافية لتصبح شاهدا على نوع حضارة السودان اليوم.
في حضارات الماضي ، ذات الاديان الغير سماوية، لم يكن هناك عنصرية، سواد جلدة بيانتشي لم يكن لها اهمية في اجتياحه التاريخي لمصر، على العكس من اليوم، حيث ان السودانيين بالذات يسمون اهل الجنوب ” بالعبيد” لسواد جلدتهم بالمقارنة مع اهل الخرطوم الذي هم بذاتهم سود بالنسبة لبقية العرب. الرسوم القادمة من مصر واليونان وروما تشير الى ان سكان ذلك العصر كانوا واعيين للاختلافات التشريحية بين الاعراق ولكن لايوجد مايشير الى ان هذه الاختلافات كانت تشكل اساسا للتعالي والتفاخر او الاذلال والتمييز. الاحكام العنصرية المسبقة ظهرت في العصور الاسلامية المتوسطة والمتأخرة حيث لون جلد الانسان مرتبط بالعبودية، على الاغلب بسبب ان افريقيا كانت المصدر الرئيسي لخطف البشر وبيعهم في سوق النخاسة في الدول الاسلامية و المسيحية.
في السنوات الاخيرة جرى اكتشاف بقايا هرم ومعبد لحضارة تسمى كوش. هذا كان مايطلق على النوبة العليا عام 2000 قبل الميلاد وفيما بعد اصبح يطلق على جميع انحاء النوبة. الكثير من الباحثين الهواة كانوا يسعون لإكتشاف ثروات مثل الطبيب الايطالي Giuseppe Ferlini, الذي لجأ الى إزالة قمة احد الاهرامات وجعل الكثيرين يسيرون على خطاه.
عالم المصريات George Reisner من جامعة هارفارد الامريكية ، وهو الذي اكتشف عام 1916-1919 الدلائل الاولى على ان ملوك النوبة حكموا مصر، اثار قضية ان الافارقة السود لم يكن بإمكانهم ، تحت اي من الظروف، القيام ببناء النصب الذي استخرجه من بين الركام. لقد ادعى بإصرار ان قادة النوبة كانوا مصريين ذو اصول ليبية وجلد فاتح، كانوا يحكمون الافريقيين السود البدائيين. إضافة الى ذلك اشار الى ان فترة حكمهم كانت قصيرة للغاية لكون قادتهم تزوجوا من ” عناصر سود”. على مر بضعة سنوات كان المؤرخين الاوروبيين يضعون استنتاجاتهم في إطار: إما ان قادة النوبة كانوا من البيض، او انهم من السود الذين نسخوا تجربة المصريين البيض وحضارتهم.
في كلا الحالات كان الجميع يتناسون دراسة تاريخ النوبة اولا، الامر الذي كان يعكس الانبهار بالحضارة المصرية التي اعمتهم عن رؤية بقية الحضارات والجهل بتاريخ افريقيا الانساني. هذا الامر عكسه بعمق الاثاري السويسري Charles Bonner عندما قال:” انت مجنون، لايوجد تاريخ في افريقيا، التاريخ يوجد في مصر فحسب”.

في الستينات وبعد إكتشاف بضعة لقى في منطقة اسوان، في الحملة لانقاذ الاثار من فيضان السد العالي، بدأ العلماء يغيرون قناعاتهم. عام 2003 اكتشف Charles Bonnet سبعة تماثيل طويلة لفراعنة ذو ملامح افريقية في المدينة القديمة كيرما Kerma. قبل ذلك كانت الحفريات قد دلت ان المنطقة كان فيها مدينة اقدم وتملك مناطق واسعة من البساتين. المنطقة سميت “الممر الى افريقيا”، لكون سكان المدينة تاجروا بالذهب والعاج وجلود الحيوان والبخور. لقد كانت مملكة مستقلة عن مصر وتملك طابعها المعماري والطقوسي الخاص. هذه الحضارة الغريبة كانت موجودة في وقت انهيار الاسرة المتوسطة حوالي 1785 قبل الميلاد. عام 1500 قبل الميلاد تمكنت السلطة النوبية ان تمتد سلطتها الى مابين شلال النيل الثاني والخامس، راجع الخريطة.
قسم من علماء المصريات يدعون ان جميع الفراعنة المصريين ، من توت عنخ آمون الى كليوبترا، كانوا ذو اصول افريقية. غير ان تحليل الفترة الذهبية للعصر الافريقي في صحراء النوبة لايقدم دعم لمثل هذا الادعاء. إضافة الى ذلك فإن الدلائل ان مملكة النوبة ليست فقط كانت مزدهرة ولكن، وفي بعض الاوقات، كانت تأثيرها واضحا على المنطقة بأسرها. من الواضح انه كانت يجري زواج بين عائلات كلا المملكتين بين النوبة ومصر. البعض يعتقد ان جدة توت عنخ آمون الملكة المعروفة بإسم Teje, وتنتمي الى العائلة الثامنة عشر، كانت ذو اصول نوبية، الامر الذي قد يفسر الملامح الافريقية الواضحة لاخناتون وتوت عنخ آمون.
المصريين لم يكونوا راضين ان يكون بجوارهم مملكة قوية، خصوصا وانها تسيطر على مناجم الذهب الذي يحتاجوه من اجل تمويل حملاتهم على اسيا. لهذا السبب ارسل فراعنة العائلة الثامنة عشر (1539-1292 قبل المسيح) جيشهم من اجل احتلال النوبة والمناطق المعمورة على طول مجرى النيل. بعد ذلك وضعوا ابناء النوبة كأداريين على المناطق وارسلوا ابناء الشخصيات المختارة الى طيبة من اجل تعليمهم الثقافة المصرية. نخبة اهل النوبة تلقفت العلوم والثقافة والديانة المصرية، واصبحوا يتوجهون بالدعاء الى الالهة المصرية، بما فيهم الى الاله آمون، واستخدموا اللغة المصرية وطقوس الدفن المصرية وفيما بعد اصبحوا يبنون اهرامات على النمط المصري. يمكن القول ان سكان النوبة هم الشعب الاول الذي استمصر تحت ضغط الاعجاب بالثقافة المصرية الآخاذة.

في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كان الاختصاصيين بالمصريات يعتقدون ان اقتباس النوبيين من المصريين دليل على ضعف الالهام الخاص، غير اننا نعلم اليوم ان الامر لم يكن كذلك، لقد كان للنوبيين قدرة فذة على قرأة الحدث الجيوسياسي. في القرن 700 قبل الميلاد كانت مصر ممزقة بفضل المعارك مع القادة الليبين في الشمال، الذين اقتبسوا العادات الفرعونية من اجل ان يتسللوا الى قيادة مصر بدون اعتراض. ولكن عندما وصلوا الى السلطة ضعف اهتمامهم بالطقوس الموجهة الى آمون. هذا الامر اقلق علماء الدين من كهنة الكرنك خوفا من ان تضرر الحياة الاخرة. ولكن من القادر على إعادة مصر الى عظمتها بتقاليدها الاصلية التي أعزها آمون بها، والتي لاعزة لمصر بدونها؟ الجواب كان موجودا في الجنوب.
حسب تعبير عالم المصريات Timothy Kendall, فإن شعب النوبة الذي كان يعيش في الجنوب، كان يمارس الطقوس الروحية للمصريين بدون ان يكونوا قد زاروا مصر في السابق. هذا الامر يجعل النوبة مخزنا للتقاليد الصافية، اي بتعبير اليوم: “كاثوليكية اكثر من البابا”.
تحت سيطرة النوبيين عادت مصر الى مصريتها من جديد. عندما مات بيناتشي عام 715 قبل الميلاد قام اخوه، شاباكا، Shabaka, بتثبيت الاسرة الخامسة والعشرين من خلال الانتقال للسكن في العاصمة المصرية ممفيس. تماما مثل اخيه المتوفي كان شاباكا من المؤمنين بالديانة والطقوس المصرية التي حافظت على الشخصية المصرية، ولذلك تسمى بإسم بيبي Pepi II, وهو اسم احد الفراعنة من الاسرة السادسة، تماما كما قام شقيقه المتوفي بالتسمي بإسم ثوت موسيس، Thutmosis II. في عهد شاباكا لم يجري قتل الاعداء وانما اجبروا على العمل في مشاريع السدود والري، للحماية من طوفان النيل. إضافة لذلك قام بتحسين طيبة ومعبد الاقصر. في الاقصر ارتفع تمثال له من الجرانيت الاحمر وهو يحمل تاجه الكوشي مع حيتين تعبيرا عن انه الملك الحق فوق مصر.
في الشرق كان الاشوريين يبنون إمبراطوريتهم. في عام 701 اجتاحوا دولة يهودا، عندها قرر النوبيين الرد. قرب مدينة Eltekeh ، قرب تل ابيب اليوم، التقى الجيشان. وبالرغم من ان قيصر الاشوريين Sanherib, سنحاريب، كان قد اعلن انتصاره على المصريين بكل افتخار، إلا ان حقيقة ان بقاء الامير النوبي، ابن الفرعون بيانتشي، على قيد الحياة يدل على ان الانتصار لم يكن ساحقا.
عندما غادر الاشوريين المدينة وتوجهوا الى اورشليم كان قائدها Hiskia, يتأمل ان حلفائه المصريين سيقدمون لنجدته. في العهد القديم يمكن قراءة رد الاشوريين المستهزء بهذه الاماني:” انت تثق بدعم من مصر، هذه العصا المكسورة التي تتدخل في اليد وتثقبها عندما يقوم المرء بالارتكاز عليها. هكذا هو حال فرعون مصر لمن يحلم بدعمه ومساندته”.

وهنا يخبرنا التوراة بحدوث معجزة: قوات الاشوريين تنسحب. هل انتشر الطاعون ( ام اصابتهم حجارة من سجيل) فأجبروا على الانسحاب؟ ام انه وصلهم خبر ان الامير النوبي يتوجه اليهم بجيشه الى اورشليم، الامر الذي لم يكن من ضمن حساباتهم؟ الامر الوحيد الذي نعلمه عن ثقة ان سنحاريب رفع الحصار عن اورشليم وعاد الى بلاده ليقتل هناك، بيد ابناءه بعد ثمانية عشرة عاما.
عودة الاشوريين، وتخليهم عن اورشليم لعب دورا هائلا في تاريخ المنطقة والعالم، إذ ان اليهودية حصلت على مئة عام اخرى من اجل ترسيخ جذورها في ادمغة الناس، الى ان جاء الملك البابلي نبوخذنصر لسبيهم. ولكن الوقت كان قد فات على انتزاع اليهودية من عقول الناس، الامر الذي مهد لظهور المسيحية ومن بعدها الاسلام على قاعدة الفكر اليهودي الاخناتوني.
في خضم كل هذه الاحداث كان من السهل عدم الانتباه الى الامير النوبي الذي تمكن من البقاء حيا في موقعة Eltekeh. الاشورين كانوا يسمون هذا الامير الشديد:” ذلك الذي كان غضبه اكبر من غضب كبار الالهة”. هذا الامير كان ابن بيناتشيا واسمه تاهركا Taharka. كان نفوذه في مصر طاغي الى درجة انه حتى اعداءه لم يتمكنوا من إزالة آثاره بعد مماته. عندما كان الانسان يبحر من نيباتا Nepata, في اعالي النيل الى مدينة طيبة، كان بالامكان رؤية مجموعة من النصب النادرة. في جميع انحاء مصر ارتفعت تماثيله وجدارياته ورسومه واسماءه الحسنى. العديد منهم لازالوا موجودين في متاحف العالم. صوره تظهره الى جانب الاله آمون. معطم التماثيل جرى تدميرها من قبل اعداءه. في اغلب التماثيل نرى انه قد جرى تحطيم انفه من اجل إبعاد خطر عودته، حسب المعتقدات في ذلك الزمان. ومهما كان الامر فإن جميع صوره تظهر مدى الثقة واليقين الذي يشع منه.
مع هذا التطور للاحداث يكون والده الفرعون نيباتشي قد حقق حلمه بإعادة مجد مصر وتقاليدها. اخوه الفرعون شاباكا رسخ اقدام العائلة بالانتقال الى ممفيس، ولكن ماقام به الفرعون الثالث taharka ، الذي تنصب على عرش مصر عام 690 قبل الميلاد، كان هو الاعظم. لقد اعاد المجد الحضاري والعسكري لمصر ووطد حدودها، وحقق وحدة النوبة ومصر لمدة 26 عاما.

نجاحات تاهاركا ساعدتها ليست فقط مواهبه ولكن ايضا الظروف التاريخية المؤاتية. الجماعات المسلحة في منطقة الدلتا كانوا قد فقدوا قدرتهم على الاستمرار واستسلموا. الاشوريين لم يعد يريدون الدخول بحروب مع تاهاركا بعدما فشلوا في القضاء عليه قرب اورشليم. مصر اصبحت له وحده بدون منازع. إضافة الى ذلك جاء فيضان النيل في السنة السابعة من حكمه في وقت مناسب، حيث ادى الى تأمين محصول كبير من الحبوب، بدون ان يرتفع عن مستوى الحواجز الترابية التي تحمي القرى من الغرق. إضافة الى ذلك تذكر الوثائق الملكية ان الفيضان كان كافيا للقضاء على الجرذان والثعابين. هذا الامر اعتبره المصريين ان الاله آمون راضي عن حبيبه تاهاركا واجاب له دعواته وصلواته بالاستسقاء والعافية ودل على ان المصريين على صراط مستقيم، الامر الذي ضمن له قلوب المصريين. هذا الاسلوب في الاستنتاج فعال ولازال يستعمل حتى اليوم للتأثير على العامة واخضاعهم.

تاهاركا لم يقف متفرجا على الظروف التي لعبت الى جانبه بل استخدمها بنشاط. لهذا السبب بدأ مشاريعه المعمارية الضخمة والواسعة، حيث يظهر بوضوح ان مصر في حوالي 1500 قبل الميلاد كانت في مرحلة ثورة معمارية. طيبة ونبطة حصلوا على حصة الاسد من هذه الثورة المعمارية. اليوم يوجد عامو واحد باقي منتصب امام معبد الكرنك قرب طيبة. لقد كان في السابق واحد من عشرة يؤلفون جزء من بناء هائل اضيف الى معبد آمون العظيم. إضافة الى ذلك كان قد بنى العشرات الابنية الثانوية ورفع العديد من التماثيل التي تجسده وتجسد امه الحبية، ابار Abar. كل ذلك بدون ان يخرب اي شئ من التصميم السابق للمعابد، ومع ذلك تمكن من طبعهم بطابعه.

في اعالي النيل و، في مدينة طيبة النوبية قام تاهاركا بعمل الشئ نفسه. قرب المدينة يوجد جبل مقدس هو جبل بركال، jebel Barkal, حيث كان يعتبر من قبل فراعنة الاسر الحديثة على انه مكان ولادة الاله آمون.
هذا الجبل مشهور بقممه المدهشة التي تشبه البطن الحامل ولذلك ترمز للخصب والعطاء. وبإعتبار ان تاهاركا كان يقدم نفسه على انه وريث فراعنة العصر الاخير، لذلك امر ببناء معبدين على سفح الجبل من اجل تعظيم زوجة الاله آمون. على قمة جبل بركال، الذي كانت ترابه مغطى برقائق ذهبية من اجل اثارة الدهشة لدى الناظرين، امر الفرعون بحفر اسمه على صخور الجبل.

تجارة الخشب القادمة من السواحل الليبية كانت تؤمن لتاهاركا حاجته من خشب البناء. عندما حاول الملك الاشوري آشورهادون، Assarhaddon, قطع هذا الطريق ارسل تاهاركا جيشه على الفور لدعم الانتفاضات ضد الملك الاشوري. وعندما تمكن الملك الاشوري من القضاء على الانتفاضات عام 674 قبل الميلاد، ارسل جيشه للانتقام من تاهاركا، غير ان جيش مصر تمكن من ايقافهم واجبارهم على العودة.
نشوة النصر اجتاحت تاهاركا، وقام بإبرام تحالفات مع العديد من مناطق الساحل السوري لعصيان الاشوريين. عام 671 قبل الميلاد تمكن الاشوريين من القضاء على التمردات، وتابعوا مسيرتهم في صحراء سيناء بإتجاه دلتا مصر. تاهاركا وجيشه كانوا في الانتظار وبدأت حرب شعواء بين الطرفين استمرت 15 يوم. وبالرغم من ان جيش الاشوريين اجبر النوبيين على التراجع الى ممفيس، الا ان آشرهادون اضطر الى الاعتراف ” بالمعارك الدموية” والمقاومة الشرسة للنوبيين. تاهاركا اصيب بالجراح خمسة مرات ولكنه تمكن من الانسحاب وترك ممفيس حيا. الملك المنتصر قام، حسب عادته في جميع حروبه، بقتل السكان المدنيين وتعليق رؤوسسهم على الاعمدة. آشرهادون كتب في صحفه فيما بعد انه ” اخذ زوجته، وحريمه ووريثه Ushankhuru, وجميع بناته وابناءه، واملاكه وذهبه والكثير من خيوله وبقره وخرافه واخذتهم معي الى اشور. لقد انتزعت كورش من جذوره في مصر”. من اجل إبقاء صورة تاهاركا في حالة اذلال امر آشرهادون برسم لوحة جدارية يظهر فيها ابن تاهاركا وهو راكع امام الاشوريين ومربوط على رقبته حبل.

تارهاركا تمكن من الفرار. وفي عام 669 قبل الميلاد مات الملك الاشوري في طريقه الى اشور بعد ان علم ان النوبيين نجحوا في إستعادة ممفيس. على راس ملك جديد قام الاشوريين بالعودة ومهاجمة النوبيين مرة اخرى، هذه المرة مع قوات إضافية جلبوها من المقاطعات التي انتفضت عليها في الساحل السوري. تاهاركا لم يكن يملك اي فرصة للفوز فهرب الى مدينة نابارا Nabara, في الجنوب ولم يراه احد في مصر بعد ذلك ابدا.
غير ان من دلائل شعبيته انه حافظ على السلطة بالرغم من انه اضطر لترك ممفيس مرتين. لااحد يعلم كيف قضى سنواته الاخيرة، بغض النظر عن محاولة مميزة اخيرة. لقد اختار ان يتم دفنه في اهرام، تماما كما فعل والده. ولكنه لم يختار المقبرة الملكية الواقعة في El Kurru, التي دفن فيها من سبقوه من ملوك النوبة. لقد اختار مكان واقع في الجهة الاخرى من النيل، Nuri. عالم المصريات Timothy Kendall, يعتقد ان خياره هذا لربما يعود الى رغبته في ان شروق الشمس، من جبل البركال، في يوم السنة الجديدة حسب التقويم المصري القديم، ستلقي اشعتها على اهرامه وبذلك سيتذكره الناس الى الابد بالعلاقة مع اعادة احياء الدين المصري، سبب عزة مصر وامجادها.
alzakera.eu/music/vetenskap/Historia/historia-0065.htm

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: