>نماذج من التواصل الحضاري بين شمال أفريقيا والصحراء الكبرى

12 Feb

>

د. مصطفى أعشي

 جامعة محمد الخامس / الرباط
معهد الدراسات الأفريقية
 يحاول هذا الموضوع التطرق لنماذج من التواصل الحضاري الذي كان موجوداً بين شمال أفريقيا والصحراء الكبرى خلال عصور ما قبل التاريخ ، باعتبارهما منطقتين جغرافيتين تكملان بعضهما ، انطلاقاً من متابعة التغيرات المناخية التي عرفتها المنطقتان ، والتحركات البشرية التي صاحبتها ، ثم التعرض للمخلفات الأثرية التي تبرز التواصل والتأثير المتبادل المنطقتين .  ولإبراز هذه العلاقات وهذا التواصل نقترح التعرض من خلال هذا العرض مناقشة ثلاث نقط محورية :ـ
1 ـ الصحراء الكبرى وتطورها المناخي وخاصة خلال الأدوار الجليدية. 2 ـ شمال أفريقيا وسماتها الجغرافية الأساسية.
1 ـ بعض نماذج ومظاهر العلاقات بين المنطقتين وتطورها خلال عصور ما قبل التاريخ انطلاقاً من البدايات الأولى وإلى غاية توصل الإنسان إلى الزراعة وتربية الماشية.
1 ـ الصحراء الكبرى وتطورها المناخي
تعتبر الصحراء الكبرى في أفريقيا حالياً منطقة قاحلة مقفرة تغطي جزءاً كبيراً من وسط أفريقيا وشمالها وتكاد تمثل حاجزاً طبيعياً بين شمال أفريقيا ووسطها . وتمتد الصحراء الكبرى من الغرب إلى الشرق أي من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر ، على طول 3000 كلم . ومن الشمال إلى الجنوب أي من البحر الأبيض المتوسط إلى بداية المناطق الاستوائية ، على طول 1500 كلم . ويحدد الباحث ميلبورن (M.MILBURN ) مساحتها في حوالي تسعة ملايين كلم2 1 .بينما يحددها العالم هوكو (HUGOT ) في أربعة ملايين ونصف مليون كلم2 2 . والصحراء تعبير نباتي ، تعني افتقار الإقليم للحياة النباتية والحيوانية ولكن هذا لا يعني الفقر التام ، إذ مما لا شك فيه أن هناك حياة نباتية وحيوانية في الصحراء.
على الرغم من أن الصحراء الكبرى تعد من أكبر الصحاري في العالم ، إلا أنها لم تكن على ما هي عليه الآن ، إذ كانت إلى غاية حوالي 6000 ق . م وربما إلى بعد ذلك ، عبارة عن أرض رطبة تعرف الأمطار الكافية وتعج بالحياة النباتية والحيوانية والبشرية.
ولهذا فقد أنكب العديد من الباحثين على دراسة هذا التحول المناخي الذي عرفه العالم بما فيه الصحراء وشمال أفريقيا ، منهم : كاطون ، طومسيون ، وكوتيي ، وهوكو ، وقوفري وغيرهم ، لرصد مراحل هذا التطور المناخي والحقائق المرتبطة به . كما أن أبحاثهم ودراساتهم وتساؤلاتهم ، فتحت آفاقاً جديدة لمتابعة التأثيرات المتبادلة بين الصحراء وشمال أفريقيا وتحديد نوعية العلاقات التي كانت قائمة بين المنطقتين. ومن المسلم به أن قضية العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين الصحراء وشمال أفريقيا وتحديد نوعية العلاقات التي كانت قائمة بين المنطقتين. ومن المسلم به أن قضية العلاقات والتأثيرات المتبادلة بين شمال أفريقيا والصحراء ، كانت ترتبط ارتباطاً كبيراً بالتغييرات المناخية التي كانت تعتبر العامل المتحكم في الاستقرارات من ناحية ، وفي التحركات البشرية أخرى ، منذ بداية ظهور الإنسان في أواخر حقبة البليوسين وبداية حقبة البلايستوسين.
كما أنه مما لا شك فيه أن أقل زيادة في الجفاف في مساحات الصحراء الكبرى ، كانت تتسبب في القيام بتحركات ونزوحات بشرية نحو المناطق التي تتوفر فيها سبل الحياة ، وخاصة الماء والأشجار المثمرة والحيوانات ، مما يتسبب في إحداث تغييرات اجتماعية وسياسية بعيدة المدى في الجهات التي يتم الانتقال إليها . ونزوح الناس وهجرتهم من الصحراء ، تتسبب في زيادة قحولتها وتمدد في إطالة عمر المراحل الجافة ، إلى حد أن تصبح طرق القوافل والمسالك القديمة غير مجدية ، بينما في المقابل يساهمون في كتابة فصول جديدة يضيفونها إلى المناطق التي استقروا بها حديثاً.

1 ـ 1 التغييرات المناخية والأدوار الجليدية
تثبت الأبحاث العلمية أن الكتل الجليدية القارية الموجودة في القطبين الشمالي والجنوبي والتي تبلغ مساحتها حالياً حوالي خمسة عشرة مليون كلم2 ،تضخم حجمها بدرجة كبيرة ، في عصور ما قبل التاريخ، ولاسيما خلال الأدوار الجليدية ، فزحفت على مساحات شاسعة من الأراضي وغطت أجزاء هامة من تجارتي أوروبا وأمريكا .
وقد تكررت هذه الظاهرة ، على الأقل ، أربع مرات خلال المليون سنة الأخيرة من عصور ما قبل التاريخ وهي المعروفة بالأدوار الجليدية :ـ
دور جليد كونز (Gunz ) ما بين 600000 و 540000 سنة ق .م
دور جليد مندل (Mindel ) ما بين 480000 و 430000 سنة ق .م
دور جليد ريس (Riss ) ما بين 240000 و 180000 سنة ق .م
دور جليد قورم (Wurm ) ما بين 120000 و 10000 سنة ق .م[1]

وقد كان يفصل بين كل دور جليدي وآخر فترات بين جليدية دفيئة هي التي تعود فيها الصحراء إلى حالة الجفاف. ونذكر على سبيل المثال أنه في حدود 20000 سنة ق.م بلغت كتل الجليد أقصى زحفها إذ بلغت المساحة المغطاة حوالي أثنين وأربعين مليون كلم2 ، أي ما يقارب ثلاث مرات المساحة التي يغطيها الجليد الآن. وفي الفترات التي ترتفع فيها درجة الحرارة تتقلص كتل الجليد بشكل كبير نتيجة لذوبان أجزاء منها . وقد كان لزحف الجليد وتراجعه تأثيرات هامة على الوسط الطبيعي منها :ـ
1ـ1 ـ1 انخفاض درجات الحرارة : عم البرد القارص والرياح الثلجية شمال أوروبا وشمال أمريكا وتواجدت فيها الأصناف الحيوانية المعروفة بتأقلمها مع المناخ الجليدي كالماموث والكركدن ذي الغطاء الصوفي والرنة والدب . كما عاشت في المناطق المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط أصناف من الطيور القطبية كالبطريق.

1ـ 1 ـ 2 انخفاض مستوى البحار : لم تعد الدورة المائية تستكمل دورتها بسبب البرد القارس المصاحب لانخفاض درجة الحرارة . مما تسبب في عدم ذوبان الجليد . وقد حدثت هذه العملية عدة مرات تبعاً للدورات الجليدية ، واستمرت آلاف السنين ، مما أدى إلى تراجع كبير في مستوى البحار والمحيطات . تجاوز أحياناً أكثر من مائة كلم . وعلى سبيل المثال فقط فإن مدينتي قابس وصفاقس التونسيتين الواقعتين الآن على الشاطئ مباشرة ، كانتا تبعدان عنه بحوالي 100 كلم ما بين 13000 و 15000 سنة ق.م . كما يعتقد أنه كان هناك برزخ يربط بين أوروبا وأفريقيا عن طريق صقلية عبر الوطن القبلي في تونس ، وعن طريق مضيق جبل طارق في المغرب.

1 ـ 1 ـ 3 غمر البحار لليابسة : عند ذوبان الجليد وتراجع جزء منه يرتفع منسوب الماء في البحار والمحيطات فتغمر أجزاء شاسعة من اليابسة وقد حدثت هذه العملية أربع مرات على الأقل ودامت آلاف السنين ، وتركت شواهد مادية دالة على ذلك. وتفيد الأبحاث المناخية أن هناك علاقة وطيدة بين زحف الجليد في أوروبا وأمريكيا وتنقل المرتفعات الجوية التي تتحكم في مناخ المناطق المدارية وشبه المدارية ، مما يؤكد أن مناخ الصحراء خلال عصور ما قبل التاريخ مر بفترات رطبة ممطرة تتخللها فترات من الجفاف والجدب.

1 ـ 1 ـ 4 شواهد التغيرات : ومن الشواهد التي تؤكد هذه التغيرات التي عرفتها الصحراء ، الفرشات والمسطحات المائية كالبحيرات ومجاري الأنهار والآثار الحضارية للإنسان في الصحراء.

1 ـ 1 ـ 4 ـ1 ففيما يتعلق بالفرشات والمسطحات الضخمة بالصحراء ، فمن المعروف أنه يتواجد في شمال الصحراء فرشات مائية ضخمة تغذي العيون العديدة التي تسقي واحات تونس والجزائر وليبيا ، وهي عبارة عن خزانات طبيعية تجمعت فيها كميات هائلة من المياه في الفترات الرطبة والممطرة والتي عرفتها الصحراء خلال عصور ما قبل التاريخ ، والموازنة للأدوار الجليدية الأوروبية.
وتدل الدراسات الحديثة على أن ماء هذه الموائد المائية تضخم نتيجة ارتفاع مستوى الأمطار الساقطة على الصحراء ، فارتفع مستواها وأصبح قريباً من سطح الأرض . ويؤكد تحول شط الجريد في جنوب تونس ، مثلا ، إلى بحيرة شاسعة كانت تعيش على ضفافها مجموعات بشرية عديدة تتغذى على صيد الحيوانات . وتفيد التحاليل المعملية أن شط الجريد الواقع جنوب تونس كان قد تحول إلى بحيرة في مناسبتين : الأولى حوالي 140000 سنة ق.م ، أي بعد نهاية دور جليد ريس وبداية الفترة الفاصلة بين دور جليد ريس ودور قورم . والثانية حوالي 90000 سنة ق.م ، أي خلال الربع الأول من دور جليد قورم.

1 ـ 1 ـ 4 ـ 2 وبالنسبة للبحيرات واتساع مجالها وتقلصه حسب التغيرات المناخية ، فتعتبر بحيرة التشاد من أضخم المسطحات المائية في أفريقيا . إذ يمكن اعتبارها بحراً داخلياً ضخماً ، يتراوح عمقها بين 3 و 7 أمتار حسب الفصول وحسب مستوى التساقطات . بينما خلال عصور ما قبل التاريخ ، عرفت هذه البحيرة تضخماً في حجمها ، وذلك فيما بين 40000 و 20000 سنة ق.م ، أي خلال المرحلة الأخيرة من دور جليد قورم ؛ بلغ ست عشرة مرة المساحة الحالية ، صاحبة تجاوز العمق إلى خمسين متراً . إلا أنه خلال الفترة المتراوحة ما بين 20000 و 10000 سنة ق.م ، بدأت مساحتها تتقلص بشكل ملحوظ نتيجة حلول فترة من الجفاف ، فكادت تضمحل وأصبح سطحها ميدانياً شاسعاً تنتقل فوقه كثبان الرمال . ولا تزال مساحتها تتراجع إلى يومنا هذا.

1 ـ1 ـ4 ـ3 وإذا عدنا إلى تأثير تغير المناخ على مجاري الأنهار ، فنلاحظ أنه خلال توفر المناخ المطير في الصحراء ، تتسع مجاري الأنهار نتيجة لارتفاع منسوب المياه فتعم الخصوبة وتنتشر الخضرة ؛ ولكن إذا حل الجفاف يتقلص منسوب الماء في المجاري وتقل قوة سيرة فيتحول إلى عدة مجاري ، وإلى مستنقعات لا تقوى على التحرك . وتستقر الكثبان الرملية بالتدريج في مجراه إلى أن توقف مسيرته كما حدث لعدد من الأنهار في الصحراء التي نلاحظ أوديتها الواسعة ومجاريها الجافة.

1 ـ 1 ـ 4 ـ 4 أما الآثار الحضارية الشاهدة على رطوبة مناخ الصحراء خلال الأدوار الجليدية والتي استوطنها الإنسان خلال عصور ما قبل التاريخ ، وترك فيها عدداً هاماً من الآثار المتمثلة على الخصوص ، في الأدوات الحجرية ومواطن إقامته وبقايا حيوانية وبشرية التي توجد الآن في مناطق جافة وقاحلة . فقد عثر في هذه المواطن على مجموعات من عظام الحيوانات كالفهد ، والفيل ، والكركدن ، والتمساح وأسماك البحيرات والأنهار ، وأفراس النهر ، والزرافات ؛ هذا علاوة على الحلزون المائي الذي كان يعيش في المسطحات المائية التي كانت تتواجد في الصحراء . وفي موقع تيهوذين بجنوب الصحراء الجزائرية التي زارها كوتيي (E.F Gautier ) وريكاس (Reygasse ) سنة 1932 تم العثور على صناعة حجرية مختلطة بحيوانات الكركدن ، والفيل ، وفرس البحر ، والبقريات والجاموس ، والخنزير ذي القرنين وحمار الوحش والتمساح ، والغزال الخ… . وبجانب هذه البقايا الحيوانية عثر في مناطق متعددة من الصحراء على مجموعات هامة من الرسوم والنقوش الصخرية التي تمثل مشاهد من الحياة اليومية لإنسان تلك المرحلة بجانب قطعان من الحيوانات المتنوعة ، بعضها انقرض ، وبعضها انتقل إلى مكان آخر والبعض الآخر لا يزال موجوداً.
كل هذه المعطيات والشواهد تعبر بصفة واضحة وجلية عن وضع مناخي ممطر ورطب مناسب لحياة الإنسان والحيوان والنبات ، يختلف تماماً عن المناخ الحالي ، مما دفع ببعض الباحثين إلى الاعتقاد في أن الجذور الأولى لحضارة الإنسان خلال عصور ما قبل التاريخ في شمال أفريقيا بوجه عام ، ترجع في الحقيقة إلى جهود الإنسان الصحراوي في ذلك الوقت.

كيف ذلك ؟
إن التغيرات المناخية التي عرفتها الصحراء الكبرى يبلغ عددها لحد الآن أربعة ، تفصل بينها دورات جافة وحارة ، وإنه خلال هذه التغيرات التي عرفتها المليون سنة الأخيرة من حياة الإنسان ، الذي عاش في الصحراء ، كان مضطراً لمغادرتها والنزوح إلى المناطق المجاورة ، تبعاً للظروف المناخية ، بحثاً عن الكلا والمرعى والماء .
وانتقاله إلى المناطق الجديدة وخاصة شمال أفريقيا كان يتم بالطبع بالجسد والفكر والحضارة .إذ أنه ينتقل بكل تراثه وتراكماته الحضارية التي يستعين بها للتأقلم مع الظروف الطبيعية الجديدة ، وهذا ما ساعده على الإسهام في التطور الحضاري للمنطقة الجديدة التي نزح إليها .وبهذه الطريقة فإن النازح الجديد من الصحراء يكون قد ساهم في تطور المنطقة الجديدة التي استقر بها.
وعملية النزوح هذه ، تكون قد تمت على الأقل أربع مرات ، واتجهت إلى المناطق التي تتوفر على الماء والقوت والكلإ وهذا ما جعل بعض الباحثين ، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ، يميلون إلى القول ، بأن الصحراء كان لها دور كبير في تعمير شمال أفريقيا بالإنسان أولاً ، وبالتطورات الحضارية التي تلت هذا التعمير والتي عرفتها المنطقة ثانياً ، والمتمثلة خاصة في الصناعات الحجرية التي صنعها واستعملها ، وفي الفنون الصخرية التي أبدعها ، وفي تربية الماشية والزراعة التي توصل إليها .

2. شمال أفريقيا وسماتها الجغرافية الأساسية
ونعني بها المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً ومن البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى الصحراء الكبرى جنوباً .وهي تبدو على شكل جزيرة أو شبه جزيرة إذا استثنينا ممر شبه جزيرة سيناء في أقصى الشمال الشرقي .
وهي السمة التي جعلت إنسان هذه المنطقة الواسعة يعيش ، على ما يبدو ، في مجال معين شبه معزول ، تفاعل مع بيئة هذا المجال دون ضغوط خارجية كبيرة مما أدى إلى تكوين عقلية متميزة خاصة بهذه المنطقة .
وتتميز هذه المنطقة بثلاثة عناصر أساسية ساهمت في تكوين خلفية ذهنية متشابها بين أبناء هذه المنطقة منها :ـ

2 ـ 1 وجود سلسلة جبال الأطلس التي تمتد على طول شمال أفريقيا بمثابة الهيكل العظمي لها . وعلى الرغم من أن هذه الجبال ، قد تبدو ، في بعض الأحيان ، كحواجز ، إلا أنها تمثل أحد العناصر الأساسية لشخصية هذه المنطقة ، والمؤثرة فيها باعتبارها المصدر الأساسي للمياه.
2ـ 2 الصحراء الكبرى التي تمتد جنوباً تعتبر استمراراً لشمال أفريقيا وجزءاً منها ، بل وعمقها الاستراتيجي . لعبت ، عبر مختلف مراحل التاريخ ، دوراً كبيراً في تهيئ بعض الظروف الملائمة لتطور شمال أفريقيا وتوحيدها . وكان للتغيرات المناخية التي عرفتها الصحراء أثر كبير في تكوين العنصر البشري لشمال أفريقيا . إذ كانت المناطق الصحراوية عبارة عن خزان للإنسان الذي كانت تقذفه خلال فترات الجفاف ، بعد تراجع الأدوار الجليدية ، وتدفعه إلى الشمال بالدرجة الأولى . وبذلك لعبت الصحراء دوراً كبيراً في تعمير شمال أفريقيا[2] .
2 ـ 3 شواطئ شمال أفريقيا الممتدة على طول آلاف الكيلومترات من نهر السنغال على المحيط الأطلسي غرباً إلى قناة السويس وسواحل البحر الأحمر شرقاً مروراً بالبحر الأبيض المتوسط . ولم تستعمل هذه الشواطئ فقط لصيد الأسماك ولكن استعملت كثغور وبوابات تواصل بين شمال أفريقيا وعالم البحر الأبيض المتوسط ، وما صاحب هذا التواصل من تأثير متبادل ساهم في تكوين إرهاصات الخلفية الثقافية المشتركة لإنسان هذه المنطقة.

3. نماذج من العلاقات بين الصحراء وشمال أفريقيا
تتمثل هذه العلاقات ، على الخصوص ، في التشابه الموجود ، بل وأحياناً التطابق التام بين الأدوات الحجرية التي تم استخراجها في عدد من المواقع الما قبل التاريخية بالصحراء وشمال أفريقيا ، انطلاقاً من أقدم الأدوات إلى أحدثها ، مما يوحي بأن البشر صانعو هذه الأدوات في هذه المناطق ينتمون إلى جذور مشتركة أو على الأقل إلى منابع ثقافية واحدة أو متشابهة .
وهذا يعني أن هناك اتجاه إلى الاعتقاد في أن الجذور الأولى للإنسان وحضاراته المختلفة في شمال أفريقيا بوجه عام ، ترجع في جزء كبير منها إلى الإنسان في الصحراء وجهوده.

فما هي المراحل التطورية التي عرفها العنصر البشري في هاتين المنطقتين ؟3 ـ 1 العنصر البشري : لقد كشفت الأبحاث الأثرية والتنقيبات العلمية أن الصحراء وشمال أفريقيا عرفت استقرار الإنسان بها منذ البدايات الأولى لظهور الإنسان ـ مما يؤكد عراقة هاتين المنطقتين في قدم استقرار الإنسان بهما . لكن قبل التعرض النماذج البشرية ومكانتها في سلم التطور البشري يبدو أنه من الأفضل التعرض ولو بإيجاز للمراحل التطورية الكبرى للإنسان بصورة عامة ، والتي على أساسها يمكن وضع إنسان الصحراء وشمال أفريقيا في المكان الملائم من سلم التطور البشري.

وتنقسم ، عادة ، مراحل التطور البشري إلى أربع مراحل:
3 ـ 1 ـ 1 مرحلة الأوسترالوبيتيك (Australopithecus ) أو الإنسان القردي الجنوبي ، موطنه الرئيسي لحد الآن شرق وجنوب أفريقيا . وتعود أقدم بقاياه إلى أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون سنة . ومن أشهر نماذجه الهيكل البشري لوسي (Lucy )[3] .

3 ـ 1 ـ 2 مرحلة الإنسان المنتصب القامة (Homo Erectus ) الذي عاش على الأرض ما بين مليون ونصف مليون ومائتي ألف سنة ق.م .وقد تم العثور عليه في شرق أفريقيا وشمال أفريقيا والصحراء والصين وأندونيسيا (خريطة رقم 1 )[4] .

3 ـ 1 ـ 3 مرحلة إنسان النياندرطال ( Neandertal ) ، عثر عليه لأول مرة في ألمانيا ثم في كل البلدان الأوروبية . ولذلك فيبدو أنه عمر أوروبا بالدرجة الأولى ما بين 20000 و 35000 سنة ق.م. ولا يوجد له أي أثر في شمال أفريقيا والصحراء[5].

3 ـ 1 ـ 4 الإنسان العاقل العاقل (Homo Sapiens Sapiens ): ظهر منذ حوالي 100000 سنة ق.م. وهو الذي يعمر العالم اليوم ، وإليه تنتمي كل شعوب الأرض [6]. وإذا حاولنا تتبع هذه المراحل التطورية في الصحراء وشمال أفريقيا فماذا سنلاحظ؟

3 ـ 1 ـ 5 إن المرحلة الأولى المتمثلة في الأوسترالوبيتيك لم يعثر على أي بقايا لها في الصحراء وشمال أفريقيا تبعاً للأبحاث والتنقيبات الأثرية التي أجريت لحد الآن . ولكن في المقابل ، تم العثور على الأدوات الحجرية التي استعملها الأسترالوبيتيك والتي وجدت بجانبه في شرق أفريقيا ، وجدت في شمال أفريقيا والصحراء مما يوحي بوجوده في المنطقتين الأخيرتين إلا أن التحريات والأبحاث الأثرية لم تصل إليه بعد.
3 ـ 1 ـ 6 أما فيما يتعلق بالمرحلة التطورية الثانية والمتمثلة في الإنسان المنتصب القامة فقد عثر في شمال أفريقيا والصحراء على العديد من نماذجه ، مما يؤكد عراقة هذا الإنسان في المنطقتين وقدم تعميره لهما . وتعود أقدم هذه البقايا إلى حوالي مليون سنة وهو إنسان سيدي عبد الرحمن الثاني الذي استخرج سنة 1996 . ويليه في القدم إنسان التشاد (Tchadanthrope ) وهو إنسان عتيق كذلك اكتشفه الباحث الفرنسي إيف كوبنس (Y. Coppens) سنة 1961 في التكوينات الرسوبية لصحراء جوارب . كما عثر على نماذج أخرى من هذا الإنسان في الدار البيضاء والرباط وسلا بالمغرب وباليكاو بالجزائر ، وقد أطلق عليه اسم محلي هو الأطلانثروب (Atlanthrope ) . والملاحظ في العصر الحجري القديم الأسفل أن البقايا البشرية للأطلانثروب نادرة في تونس وليبيا والصحراء وموريتانيا ومنعدمة في مصر ، ويفسر هذا على أنه راجع على ما يبدو ، إلى قلة التنقيبات والأبحاث الأثرية المرتبطة بإنسان هذه الفترة . إلا أنه في المقابل يلاحظ توفر الأدوات الحجرية التي استعملها هذا الإنسان والتي تغطي كل أفريقيا والصحراء ، مما دفع الباحثين إلى القول أن إنسان الأطلانثروب عاش في كل شمال أفريقيا والصحراء وليس فقط في المغرب والجزائر.

3 ـ 1 ـ 7 وإذا انتقلنا إلى المرحلة التطورية الثالثة والمتمثلة في أوروبا بإنسان النياندرطال ، فإن الصحراء وشمال أفريقيا لا يتضمنان أي أثر لهذا النموذج البشري . إلا أنه في المقابل يلاحظ استمرارية وجود الإنسان في ليبيا شرقاً إلى المغرب غرباً والصحراء جنوباً . وهذا النموذج البشري الشمال الأفريقي الصحراوي يعتبره الباحثون تطوراً محلياً للإنسان المنتصب القامة وصلة وصل بينه وبين الإنسان العاقل . وهذا يعني أنه لا وجود للنياندرطال الأوروبي في الصحراء وشمال أفريقيا . وخير مثال لهذا النموذج المحلي إنسان جبل أيغود في المغرب وإنسان هوافطيح في ليبيا . ففيما يتعلق بالبقايا البشرية العائدة لجبل أيغود والذي سبق للباحث الفرنسي كوبنس أن أجرى دراسات على بقاياه وحدد زمنه بحوالي سبعين ألف سنة قبل الميلاد ، وأكد عدم انتمائه إلى فصيلة النياندرطال كما سبق للأستاذ أينوشي أن أعلنه عند اكتشافه لهذه البقايا سنة 1962 [7]. إلا أن الباحث المغربي الشاب بن نصر أكد بعد إعادته لدراسة هذه البقايا أنها تعود إلى أكثر من 130000 سنة ق.م بل وربما أقدم بذلك بكثير.
ومن خصائص إنسان جبل أيغود أنه يجمع بين بعض سمات الإنسان المنتصب القامة وسمات الإنسان العاقل العاقل مما يؤكد أنه يمثل مرحلة تطورية انتقالية نحو الإنسان الحالي أي أنه عبارة عن صلة وصل أو الحلقة الفاصلة بين الإنسان المنتصب القامة والإنسان العاقل العاقل . وهذه الميزة التطورية لا نجدها إلا في المغرب فقط مما جعل منه أحد مراكز الاهتمام الأساسية لدراسة تطور النوع البشري . والغريب أن كل بقايا هذا الإنسان عثر عليها في داخل الكهوف مما يعني أنه كان يعيش زمن الدور الجليدي الأخير ” قورم ” .
3 ـ 1 ـ 8 وآخر مرحلة في التطور يتعلق بالإنسان العاقل العاقل الذي عثر على بقاياه في كل من شمال أفريقيا والصحراء . وهو الإنسان صانع الحضارة العاطرية والحضارة الوهرانية والحضارة القفصية.
ويبدو أنه مع نهاية المرحلة الطويلة للعصر الحجري القديم بأقسامه الثلاثة ، ونهاية الأدوار الجليدية ، وبداية الجفاف في الصحراء الكبرى ، بدأت تفد على أرض شمال أفريقيا موجات بشرية جديدة ، قدم أغلبها من الصحراء ، اختلطت بالسكان الأصليين وامتزجت فيهم وساهمت معهم في تكوين الفرشة السكانية للمنطقة . وعليه فالعنصر البشري في شمال أفريقيا يكون قد التأم انطلاقاً من العناصر البشرية الأصلية التي عثر على بعض نماذج بقاياها في العديد من المواقع الأثرية ، إضافة إلى العناصر البشرية القادمة من الصحراء الكبرى بالدرجة الأولى ومن الشرق أحيانا.
3 ـ 2 العلاقات البشرية بين شمال أفريقيا والصحراء : من خلال مراجعة أولية لما خلفه إنسان العصور ألما قبل التاريخية في الصحراء وشمال أفريقيا ،اتضح أن أغلب هذه المخلفات تتشابه على طول وعرض المنطقتين ، بل وأحياناً تتطابق ، مما يوحي ببروز البدايات والإرهاصات الأولى لوحدة ذهنية وحضارية في المنطقتين وتتمثل بعض مظاهر العلاقات في العناصر التالية :
3 ـ 2 ـ 1 الصناعات الحجرية : لقد عاش إنسان المنطقتين خلال عصور ما قبل التاريخ عيشة تتلاءم والظروف البيئية المحيطة به ، واضطر للتأقلم معها ، وصنع منها أدواته الحجرية والعضمية والخشبية التي يحتاجها . وقد عرفت هذه الأدوات تطوراً في تقنيات صنعها تبعاً لتطور الإنسان الذهني وتفاعله معتغيراه . ومن أقدم هذه الأدوات الحجرية التي استعملها الإنسان بصورة عامة وإنسان الصحراء وشمال أفريقيا بصورة عامة وإنسان الصحراء وشمال أفريقيا بصورة خاصة هي المعروفة لدى الباحثين باسم حضارة الحصاة أو الحصى المشذب أو المعدل.
3ـ 2 ـ 1 ـ 1 حضارة الحصاة أو الحصاة المشذبة ( pebble – culture, le galet amenage ) : وهي أدوات حجرية بدائية مصنوعة من الحصاة يرجع تاريخها إلى ما يزيد على مليونين ونصف مليون سنة [8] وذلك باستعماله طريقة البوثاسيوم اركون (KA ) على بعض الأدوات المحتوية على مواد بركانية . أقدم هذه الأدوات الحصوية استخرج من منطقة حوض نهر الأومو باثيوبيا . وتتمثل في حصاة دائرية الشكل تنزع منها شظية واحدة أو عدة شظايا ، مما يجعل جزءاً من الحصاة حداً قاطعاً . وقد استعمل الإنسان هذه الأداة الحجرية مدة طويلة من الزمن تجاوزت المليون ونصف سنة . وعلى الرغم من أنه لم يعثر لحد الآن على بقايا الإنسان صانع هذه الأداة في شمال أفريقيا والصحراء والذي يعتبر أقدم الأنواع البشرية البائدة والذي اكتشف آخر نموذج له سنة 1972 في أولدوقاي ، فإنه يجوز لنا ، انطلاقاً من العثور على هذه الأدوات الحصوية في العديد من مواقع الصحراء وشمال أفريقيا القول بأن الإنسان صانع هذه الأدوات كان موجوداً في هاتين المنطقتين . فقد تم العثور على الحصاة المشذبة في المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر والصحراء مما يدفعنا إلى القول بوجود علاقات حضارية وبشرية منذ البدايات الأولى للإنسان بين هاتين المنطقتين . ويمكن أن نعتبر هذا مؤشراً إلى إمكانية وجود خلفية ذهنية مشتركة أو متقاربة ومتشابهة بين سكان المنطقتين ، حدثت على ما يبدو نتيجة تفاعل الإنسان مع بيئة متشابهة مما جعل نتيجة التفاعل بين البيئة والإنسان عبارة عن منتوج حضاري متقارب أو متشابه. وقد عرفت حضارة الحصاة تطوراً تدريجياً في شكلها وفي طريقة صناعتها إلى أن أصبحت منذ مليون سنة تقريباً على شكل فاس يدوية سميت بذات الوجهين أو الحضارة الأشولية.

3 ـ 2 ـ 2 ذات الوجهين (Bifaces ) : وهي أدوات حجرية تعتبر أكثر تطوراً من الحصاة المشذبة ، كما أنها كانت في الأصل حصاة نزعت منها شطايا عديدة بطريقة أكسبتها وجهين متشابهين إلى أن أصبح لها شكل كمثري . وقد تم العثور على هذه الأدوات في كثير من المواقع بشمال أفريقيا والصحراء . وتمتد الفترة التي غطتها هذه الصناعة من مليون سنة إلى حوالي مائة ألف سنة قبل الميلاد مع نهاية العصر الحجري القديم الأدنى[9] .
وإن وجود هذه الأدوات الحجرية بوفرة في المنطقتين دليل آخر على وجود تبادل للتأثيرات الحضارية واستمرار للعلاقات الحضارية والبشرية بين الصحراء وشمال أفريقيا في هذه المراحل العتيقة من ما قبل التاريخ.
ومع انتهاء العصر الحجري القديم الأدنى ، وبداية بزوغ الإنسان العاقل العاقل ، عرفت تقنيات صناعة الحجر تطوراً كبيراً تميز بتنوع وتعدد الأدوات الحجرية ، وبكونها أصبحت أكثر دقة نظراً لسيطرة الإنسان على تقنيات وأساليب صنع أدواته الحجرية . ومن أهم هذه التقنيات.

3 ـ 2 ـ 3 القالوازية الموسترية : التي تتميز فؤوسها اليدوية ذات الوجهين بتقلص حجمها إذ أخذت الأدوات الكبيرة تتلاشى ، تاركة مكانها لأدوات أصغر حجماً ، وأكثر تنوعاً مثل المكاشط(Racloirs ) والمثاقب (pointes ) والشفرات والسكاكين(les lames)[10] وقد عرفت شمال أفريقيا هذه الصناعة في العصر الحجري القديم الأوسط إلا أن مواقعها قليلة إذا ما قورنت بمواقع الفترات الأخرى . وتعود قلة وجود هذه التقنية إلى بروز تقنية صناعية جديدة ابتكرها إنسان الشمال الأفريقي ،وغطت كل شمال أفريقيا والصحراء من المحيط الأطلسي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً ، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى التخوم الجنوبية للصحراء الكبرى جنوباً . تسمى هذه التقنية الصناعية بالحضارة العاطرية .

3 ـ 2 ـ 4 الحضارة العاطرية : سميت بهذا الاسم نسبة إلى بئر العاطر (Bir Alater ) الواقع شرق الجزائر والذي وجدت به ودرست فيه أدوات هذه الصناعة لأول مرة . وأول من تأكد أنها تقنية حضارية محلية هو الباحث الفرنسي ريكاس (Reygasse ) الذي وصفها سنة 1922 في دراسته التي نشرتها الجمعية الفرنسية لتقدم العلوم [11].
أما قبل هذا التاريخ ، فإنه رغم العثور على نماذج من هذه الأدوات في مواقع متعددة بشمال أفريقيا والصحراء ، إلا أن الباحثين الفرنسيين كانوا يطلقون عليها تسميات غامضة ، كما يحصل مع كل اكتشاف أثري يبرز شخصية المنطقة وإسهامها في الحضارة الإنسانية ؛ من هذه التسميات نيوليتي بربري (Neolithique berbere ) الذي أطلقه عليها الفرنسي بالاري (pallary ) سنة 1909 [12].  ويحتل العاطري ، في الوقت الراهن من البحث الأثري في شمال أفريقيا والصحراء ، المكانة التي يحتلها الموستيري خارج المنطقتين . أما تسلسله الزمني ، فقد أثبتت التنقيبات الأثرية الطبقية ، أنها تأتي بعد الموستيري في الزمن ، بل وفي غالب الأحيان تحتل مكانته ، وأنها بالإضافة إلى ذلك سابقة العصر الحجري القديم الأعلى .
ورغم الصعوبة في تحديد المركز الذي نشأت فيه هذه الحضارة لأول مرة ومنه انطلقت إلى باقي المراكز ، إلا أن المواقع وتركيزها على الساحل الغربي في المغرب ، واستمرار انتشارها في ليبيا ومصر ، وتوجهها توجها قوياً نحو الجنوب في الصحراء ، إلى أن تتوقف بصفة عامة على ضفاف ما تبقى من البحيرات في الصحراء الجنوبية كبحيرة تشاد[13]. يجعل من هذا التركيز في المغرب وتدرج قلة المراكز كلما اتجهنا إلى الشرق إلى غاية مصر تجعلنا نفترض أن مهد هذه الصناعة كانت في المغرب الحالي ، ومنه انتشر في باقي شمال أفريقيا والصحراء . وهذا يعني أن هذه الصناعة فرضت وجودها في كلا المنطقتين ؛ وأن العلاقات الحضارية هذه المرة ،كان اتجاهها غريباً ـ شرقياً وغربياً وجنوبياً وشرقياً ، أي أن الصناعة العاطرية كانت المحرك الأساسي القوي التأثير في هذه المرحلة ، مما يجعلنا نميل إلى القول بأن إرهاصات ما يمكن أن نسميه الوحدة الحضارية بين شمال أفريقيا من جهة والصحراء من جهة أخرى تعود إلى هذه المرحلة.
وقد طرح نقاش حول طريقة وصول هذه الحضارة إلى الصحراء.ويقدم الباحث هوكو افتراضاً ينطلق من أن التعمير العاطري للصحراء بدأ منذ حوالي 30000 سنة ق.م حين اتجهت موجات الإنسان ، صاحبة الحضارة العاطرية ، من بلدان شمال أفريقيا نحو الصحراء ، وانتشرت شمال الصحراء . واستقر أخيراً العاطري في المستوى الثالث على ضفاف البحيرات الجنوبية ووصل إلى المرحلة النهائية السابقة على العصر الحجري الحديث[14].ويعتمد هوكو في هذا الافتراض على التشابه الكبير بين الأدوات النهائية في موقعي مغارة العالية بطنجة في المغرب ودار السلطان قرب الرباط فات الرسوبيةضاً ، العائدين إلى حوالي 25000 سنة ق.م من جهة وأدوات المستوى الثالث على ضفاف البحيرات الجنوبية بالصحراء وعدم وجود بها صناعة ما قبل تاريخية أخرى بين الحضارة العاطرية والعصر الحجري الحديث من جهة أخرى.
وتتميز أدوات الصناعة العاطرية بكونها أدوات حجرية خاصة نابعة من تقنية صناعة ذات الوجهين التي استخرج منها رؤوس السهام والنصال الطويلة والمكاشط وأدوات مذنبة على شكل رأس يسهل استعمالها .
وقد عثر على إنسان صانع هذه الحضارة في مواقع متعددة في المغرب منها كهف دار السلطان سنة 1975 وكهف تمارة في نفس السنة كذلك. ويبدو من خلال الدراسات الأثرية أن الحضارة العاطرية [15]بدأت منذ حوالي 45000 سنة ق.م . واستمر وجودها إلى حوالي 20000 سنة ق.م لتخلفها الحضارة الوهرانية.
3 ـ 2 ـ 5 الحضارة الوهرانية أو الايبيروموروسية : إلى وقت قريب كان يعتقد أن هناك فراغ حضاري أو هوة (Hiatus ) اركيولوجية تفصل بين الحضارة العاطرية والحضارة الوهرانية . ولكن التنقيبات الأثرية التي أجراها الباحث الفرنسي القس روش (l`Abbe Roche ) في مغارة الحمام بتافوغالت بشرق المغرب ، أثبتت أن المستويين الأثريين 17 و 18 ، من مستويات المغارة والواقعين في أسفل الطبقات الأثرية يمثلان الحضارة العاطرية وبداية الحضارة الوهرانية في المستويات العليا انطلاقاً من المستوى 16 [16] (شكل رقم 3) . وهذا ما يعني عدم وجود أية هوة بين الحضارتين العاطرية والوهرانية وأن هناك استمرارية واتصال بين الحضارتين .وليس من المستبعد أن يكون للحضارة العاطرية أثر في الحضارة الوهرانية.
تتميز الحضارة الوهرانية بأنها حضارة ساحلية تنتشر في شمال أفريقيا من المغرب غرباً إلى ليبيا شرقاً ، عكس الحضارة القفصية التي كانت حضارة داخلية أي قارية . وأول من سماها بالاري (Pallary )[17]الذي أطلق عليها اسم الحضارة الايبيروموروسية معتقداً أنها صناعة قادمة من شبه جزيرة إيبيريا . ولكن اتضح فيما بعد أن هذه الحضارة لا علاقة لها إطلاقاً بإيبيريا وأنها حضارة محلية صرفة ، وأعقب ذلك تحريات ودراسات وحفريات قام بها الباحث الفرنسي قوفري سنة 1932 في مواقع بالجزائر على الخصوص ، جعله يطلق عليها اسم الحضارة الوهرانية[18].
وأهم سمات الحضارة الوهرانية صغر أوداتها الحجرية ، ولا سيما النصال الصغيرة ذات الشكل الهلالي والمكاشط المستديرة وبعض الأدوات المستعملة لسحق الألوان بجانب أدوات من العظام المصقولة المهندمة.
يحدد الباحث الفرنسي القس روس تاريخ هذه الحضارة باستعمال الكربون C 14 (شكل رقم 4) ، ما بين 100 21 = 400 و800 10/400 من الآن [19]. بينما يحدد تاريخها ماكبرني في ليبيا ما بين 14000 ق.م و 10000 ق.م. وهذا يعني أن الحضارة الوهرانية في غرب شمال أفريقيا أقدم منه في شرقها . فهل هذه التقديرات المقارنة تسمح لنا بافتراض الأصل في المغرب ، منها اتجهت بالتدريج إلى الشرق حتى وصلت إلى ليبيا ؟ هذا مع العلم أنه لحد الآن ، لم يعثر على أي شيء يشير إلى وجود هذه الحضارة في الصحراء . فهل هي حضارة مغربية صرفة ولا وجود لها في الصحراء أم أنها توجد بها ولكن معاول المنقبين لم تصل إليها بعد ؟ على كل ، وحسب التحريات والتنقيبات التي أجريت لحد الآن في الصحراء لا تشير إلى وجود هذه الحضارة في الصحراء عكس الحضارة السابقة العاطرية . فهل هي بداية انتقال للعلاقات بين الصحراء وشمال أفريقيا من علاقات عمومية إلى علاقات أفقية ، أي من علاقات شمال ـ جنوب وجنوب ـ شمال إلى علاقات غرب ـ شرق وغرب جنوب شرق . أي أن العلاقات التي كانت صحراوية شمال أفريقية في البداية انتقلت في عهد الحضارة العاطرية إلى علاقات شمال أفريقية صحراوية ثم أصبحت في عهد الحضارة الوهرانية علاقة بين مناطق شمال أفريقية فقط لتضيف فيما بعد ، في عهد الحضارة القفصية بحيث لن تتجاوز بعض المواقع في جنوب تونس وشرق الجزائر .

3 ـ 2 ـ 6 الحضارة القفصية : ويلي من الناحية الكرونولوجية الحضارة الوهرانية ، الحضارة القفصية . وهذه الحضارة بدورها كان قد أطلق عليها في بداية اكتشافها سنة 1909 بالحضارة والصناعة الجيتولية (Industrie getule ) . لكن التشابه بين أدوات هذه الصناعة وأدوات الأدوار الأولى من العصر الحجري القديم الأعلى في أوروبا وخاصة الحضارة الأوريكنسية (Aurignacien ) ، دفع الباحثين إلى المزيد من التحري والتقصي وإعادة النظر في المكتشفات الأثرية ، قام بها كوبير [20] (Gobert ) وقوفري ( Vaufry )[21] .وقد ألقيا أضواء جديدة على الموضوع وخاصة بعد استخراجهم للأدوات الدقيقة باستعمال الغربال مما يوضح أن الإنسان القفصي كان يستعمل أدوات دقيقة شبيهة بالأدوات الميكروليثية التي تميز العصر الحجري الوسيط (Mesolithique ) . مما دفع بكوبير وقوفري إلى إرجاع هذه الصناعة إلى العصر الحجري الوسيط .إذا أضفنا إلى هذا أن مواقعها سطحية والكثير منها على هيئة تلال مكونة من تكديس الرماد وفضلات الطعام التي تركها الإنسان القفصي والمتكونة أساساً من الحلزون ، مما جعل الباحثين يطلقون عليها الرماديات أو الحلزونيات (Les escargotieres ).
ومن ميزات الحضارة القفصية أنها أقل انتشاراً في المكان والزمان ،إذ لم تتجاوز المناطق الداخلية بتونس ، وخاصة جهتي قفصة وتبسة . كما تمتد إلى شرق الجزائر وخاصة جهة سطيف وقسنطينة ولا تتعدى في الغرب جهة تيارت . ولم يعثر على أي أثر لهذه الحضارة لحد الآن في المغرب والصحراء . لكن يبدو أنه عثر على ما يشبه هذه الصناعة في الواحات المصرية وجنوب مصر وشمال السودان .أما من الناحية الزمنية ، فقد أثبتت التحاليل المخبرية باستعمال الكربون C 14 أن الحضارة القفصية ظهرت بعد الحضارة الوهرانية ولم تعمر إلا مدة قصيرة نسبياً تتراوح ما بين منتصف الألف السابع والألف الرابع قبل الميلاد (6450 ق.م + 400 – 3050 ق.م + 100 )[22].

3 ـ 3 تربية الماشية والزراعة ، كان إلى وقت قريب يربط اكتشاف الزراعة ودخول المغرب العصور التاريخية بقدوم الفينيقيين ؛ إلا أن الأبحاث الأثرية الأخيرة والدراسات المنصبة على هذين الموضوعين أكدت أن ممارسة تربية الماشية والزراعة كان معروفاً لدى سكان شمال أفريقيا ، وربما لدى أبناء الصحراء كذلك ، منذ فترات قديمة.
فهل يمكن تحديد تاريخ ظهور الزراعة في بلدان شمال أفريقيا والصحراء وما هي الدلائل أو المؤشرات التي تدل على وجودها ؟
إن أول صعوبة تعترضنا تتمثل في عدم توفرنا على مادة علمية كافية لمعالجة أصول الزراعة ، هذا فضلاً على أن ما هو متوفر كتبه أغلبه أجانب انطلاقاً من أفكار مسبقة ترتكز على أن كل الإبداعات الحضارية التي عرفتها شمال أفريقيا جاءتها من الخارج . بل وهناك من هؤلاء الباحثين من يرى بما أن الزراعة مرتبطة بالعصر الحجري الحديث ، وبما أننا لا نعرف جيداً متى بدأ هذه العصر ومتى انتهى [23] فإن هذا يطرح صعوبات كبيرة في التعرف على أصول الزراعة فيها [24] ويذهب كامبس (Camps ) بعيداً إلى حد أنه يذكر بما أن ممارسة الزراعة تعتبر من أهم سمات العصر الحجري الحديث التي همت الشرق الأدنى وأوروبا فإنه لا يمكن الأخذ من معرفة منطقة شمال أفريقيا [25]. هذه بعض أمثلة من مواقف الباحثين الأجانب من معرفة منطقة شمال أفريقيا بالزراعة ، فهل يمكن اعتبارها أحكاماً نهائياً ؟ وكيف يعقل أن تعرف جهة في شمال أفريقيا ، وهي مصر ، الزراعة ولا تعرفها جهات قريبة من نفس المنطقة؟
لذلك لفتح المزيد من الآفاق حول هذا الموضوع يبدو أنه من الأفضل العودة إلى دراسة بعض المستخرجات الأثرية التي تم العثور عليها في بعض المواقع التي يبدو أن لها علاقة بالعصر الحجري الحديث وبإرهاصات الزراعة . من هذه المستخرجات مستخرجات مواقع الحضارة الوهرانية والحضارة القفصية والريف الشرقي .

ففيما يتعلق بالحضارة الوهرانية فقد تم العثور على الكرات الحجرية المثقوبة (Les boules de pierre perforees ) الصغيرة الحجم التي تستعمل كثقالة (poids ) للعصا الحفارة (Le baton a Fouir ) في موقعين وهرانيين بالجزائر تمراحت ورأس سيكيلي [26]. ويتحدث كامبس عن هذه الأداة قائلاً :” إن هذه الأداة جد معروفة بأفريقيا وخصوصاً عند شعب البوشمن وأيضاً بإثيوبيا وأنها تستعمل لغرض تهيئة الأرض وتنعيمها لدى الذين يزاولون زراعة فقيرة [27].
أما بالنسبة للحضارة القفصية ، فقد عثر في بعض طبقاتها الأثرية على نوع من المناجل (Les faucilles ) والكرات الحجرية المثقوبة (Les boules de pierre perfor – ees ) والمدقات (Les molettes ) وأداة الحصاد ( le lustre des moissons )[28].ومع كل هذا ، فإن كامبس يتحفظ بخصوص الأدوات القفصية التي يبدو أن لها علاقة بالزراعة ويؤكد على عدم وجود زراعة لدى القفصيين [29]، مشيراً في نفس الوقت إلى أن أول أداة يمكن ربطها بالزراعة هي الشفرة (La lame ) ، والتي عادة ما تعرف بأداة الحصاد (le lustre des moissons )، والتي استخرجت من بعض الطبقات الأثرية القفصية . ومع ذلك فإن كامبس ، ورغم تأكيده بارتباط أداة الحصاد هذه بالزراعة إلا أنه يقول بأنه لا يجب الاعتقاد بأن أداة الحصاد هذه قد استعملت في الزراعة . بل يمكن أن يكون قد استخدمت في قطع سيقان نباتات غير صالحة للأكل ، ولكن لها منافع كثيرة ، كالقصب الذي كان يستعمل كثيراً في صنع الفخاخ [30].
وكأني بكامبس يعمل ما في وسعه من أجل نفي وجود أي إسهام حضاري لأبناء هذه المنطقة ، رغم وجود بعض المؤشرات الموحية بذلك .فوجود الأدوات الزراعية في بعض المواقع الأثرية هي ليست دليلاً كافياً ، في نظر كامبس ، بل يمكن اعتبارها محاولة التوجه نحو زراعية فعلية . وبما أن التحديد الزمني لرماديات الحضارة القفصية تتزامن والعصر الحجري الحديث في البحر الأبيض المتوسط ، فإن كامبس ، يرجح أن القفصيين يمكن أن يكونوا قد مارسوا القطف بطريقة انتقائية مكنتهم من حفظ ما جمعوه . ويمكن اعتبار هذه العملية ، حسب كامبس دائماً ، أو خطوة نحو زراعة حقيقية [31] .
والجدير بالإشارة هنا ، أن الباحث ريكاس تحدث عن نوع من المعاول (Pics ) عثر عليها جنوب قسنطينة بالجزائر ، أطلق عليها اسم المحروكاتي [32] الذي يظهر أن له ارتباط وثيق بالزراعة ، هو نوع من المعاول الصوانية المنحوتة وغير المصقولة . ويفترض ريكاس أن هذه الصناعة ذات أصول أفريقية وأن تأثيرها وصل إلى أوربا بطرق يجهلها . وقد وجدت هذه الأداة الزراعية أيضاً في جهة الحوز مما جعل الباحث رودريك (Rodrigue ) يرجح أن هذه الأداة استعملت كأداة للحرث؛وهذا يعني قيام الزراعة بالمغرب قبل ظهور المحراث [33] .

ومن المؤشرات الأخرى التي تميل كفة معروفة إنسان العصر الحجري الحديث في شمال أفريقيا للزراعة وممارسته لها ، هو ما استخرجته البعثة الأثرية العلمية المغربية الألمانية التي نقبت في شرق جبال الريف بالمغرب وأقامت معرضاً لمستخرجاتها الأثرية بالمتحف الأثري بالرباط من 6 يونيو 1988 أثبتت من خلاله ظهور الفلاحين الأوائل بهذه الجهة منذ حوالي 9000 سنة بجانب مربي الماشية والصناع الأوائل للفخار . وفي حوار مع الباحثين المغاربة المشاركين في هذه البعثة العلمية أشار إلى عثوره على حيوان يبدو أنه مستأنس في موقع إيفري الباورد قرب قرية صاكة بإقليم الناظور.
وإذا أضفنا إلى هذه المؤشرات الواضحة ، النقوش والرسوم الصخرية الموجودة في جبال الأطلس وجنوب المغرب والجزائر وليبيا ، وفي الصحراء الكبرى ؛ التي تجسد مشاهد من أنشطة سكان هذه المناطق ومن ضمنها نقوش خاصة بعملية الحرث أشهرها نقش غريب ايكيس الذي درسه مالوم (Malhomme ) ونشره في مجلة ” ليبيكا ” سنة 1953[34] .

ويبدو أن الصحراء عرفت الزراعة منذ فترات قديمة ، ومما يؤكد ذلك ، العثور على غبار الطلع في موقعي منيات وأمكني بالصحراء الجزائرية . وقد تم التحديد التاريخي لزمن بعض الأدوات الحجرية بغبار الطلع لبعض المزروعات في موقع منيات بـ 3450 ق.م . أما موقع أمكني فقد تم العثور فيه على الفخار وقطعتي رحى وعشر مدقات (Molettes ) بجانب غبار الطلع. وهذا ما جعل كامبس يغير موقفه ويؤيد إمكانية ممارسة الزراعة في أمكني بالألف الثامن ق.م[35].
وعليه ، يبدو من خلال ما تقدم ، أن الزراعة عرفتها المناطق الصحراوية ومناطق شمال أفريقيا في وقت متقارب تقريباً نظراً لعثور الباحثين على بعض الأدوات الزراعية في هذه المناطق كلها ، مما يؤكد تشابه التطور في كل من الصحراء وشمال أفريقيا . وهذا يعني وجود عناصر ثقافية مشتركة بين الصحراء وشمال أفريقيا.
ومع ذلك ، فإن هذه الافتراضات ليست نهائية ؛ أن تسمح الدراسات والأبحاث الأثرية الجارية حول هذا الموضوع في عدد من الجهات في شمال أفريقيا والصحراء على كشف النقاب عن حقبة مهمة من حقب تاريخ العلاقات بين شمال أفريقيا والصحراء.
من خلال النماذج المقدمة يتضح أن الصحراء وشمال أفريقيا كانت تربطهما علاقات مسترسلة طيلة عصور ما قبل التاريخ ، تساير الظروف المناخية والتغيرات التي تعرفها ، مما جعل الإنتاج الحضاري في المنطقتين يكون متشابهاً فيغالب الأحيان سواء كان مصدره الصحراء أو شمال أفريقيا.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: