>الأمازيغ – البربر

24 Feb

>

حنفي بن عيسى – arab-ency.com
الأمازيغ Amazig كلمة تعني الإنسان الحر أو الكريم النسب، وهو الاسم الذي كان وما يزال قسم من السكان الأصليين في شمالي إفريقية يطلقونه على الواحد منهم، ويجمع على «إيمازيغن» ويقيم هؤلاء في منطقة مترامية الأطراف، تمتد من الحدود المصرية شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن البحر المتوسط شمالاً إلى نهر النيجر جنوباً. أما تسميتهم بالبربر فمن المرجح أن الشعوب الأخرى هي التي أطلقتها عليهم لرطانتهم، وتجدر الإشارة إلى أن الأمازيغ يتسمون بأسماء العشائر التي ينتمون إليها أو المنطقة التي يقيمون بها، من هذه الأسماء: القبائليون، والزواوة، والشاوية، والطارقية وبنوميزاب في الجزائر، والشلح في المغرب.
أصل الأمازيغ
جاء في دائرة «المعارف الإسلامية» أن اللغة هي المعيار الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه في الوقت الحالي لتمييز الأمازيغ الذين يلاحظ في هيئاتهم خصائص متنوعة جداً، بل متباينة أحياناً، فلا يمكن التحدث عن عرق أمازيغي متجانس، ولاسيما أنهم كانوا منقسمين فيما بينهم أشد الانقسام مما حال دون تشكيلهم أمة واحدة.

وما يزال شطر كبير من تاريخهم مجهولاً على وفرة الآثار الباقية من عصور ما قبل التاريخ في بلاد الأمازيغ الواسعة، ومع وجود النقوش والصور الجدارية الكثيرة التي تشهد بمآثرهم التاريخية، والكتب التي ألفها عنهم اليونان والرومان والعرب. وخير مثال على ذلك، اللغة الأمازيغية التي لم يتم إلى اليوم تحديد المجموعة اللغوية التي تنتمي إليها، ولهذا من الصعب تحديد الأصل الذي انحدر منه هذا الشعب في غابر الأزمان، مع العلم أن فرضيات كثيرة وضعت بشأنهم من بينها: أن الأمازيغ هم السكان الأصليون لشمالي إفريقية ولم يفدوا إلى هذه المنطقة من بلد آخر، وقيل أيضاً إنهم إما شرقيون وإما إيجيون (نسبة إلى بحر إيجة). أما المؤرخون العرب فيعدونهم شرقيين، أي كنعانيين أو حميريين وهي فرضية تبناها وعززها بالأدلة المستشرق هلفرتز Helferist، في حين انفردت فرضية الأصل الكنعاني بتأييد المؤلفين المحدثين (أنتيشان Antichan، ودوماس Doumas، وسلوشز Slouchz). ويرى المستشرق كاريت Carette أن الأمازيغ سكان أصليون امتزجوا مع الآسيويين، ولاسيما الفينيقيين، ويزعم بعض المؤرخين من ذوي الأغراض الاستعمارية أن ثمة تقارباً بين الأمازيغ والكلتيين (السلت Celtes والأنغلوسكسون والغال Gaulois، والباسك Bassques والقفقاسيين)، وذلك بهدف تسويغ سياسة الاندماج العرقي والاستيطان التي انتهجها الاستعمار في شمالي إفريقية، وذهب المؤلف نفسه إلى أبعد من هذا، إذ ادعى وجود قرابة بين الأمازيغ وأهل أمريكة.

ومن ناحية أخرى، فإن الصفات العرقية (الإثنية) للأمازيغ زادت المسألة تعقيداً، لأن بعضهم ذوو لون أشقر، وهذا ما جعل المؤلفين النزهاء الجانب يتحرزون إطلاق الأحكام جزافاً، فقالوا إن السواد الأعظم من أهالي الشاطىء الجنوبي وأهالي الشاطىء الشمالي للبحر المتوسط متقاربون في صفاتهم، ثم انضمت إليهم وفود كثيرة من الجنوب ومن الشرق وربما من الشمال أيضاً. لكن هذه الهجرات وقعت في عهود سحيقة لا يمكن تحديد تاريخها.

تاريخ الأمازيغ
آ ـ قبل الإسلام: إن كل ما يمكن أن يقال بشيء من التأكيد هو أن الأمازيغ استقروا في شمالي إفريقية منذ أقدم العصور، وقد ورد ذكرهم في مؤلفات المؤرخين والجغرافيين القدامى بأسماء عدة زالت أو نسيت، لأن الأمازيغ لم يعترفوا بها. فقد ذكروا أن النسمون Nasamons والبسيل Psylles كانوا يقطنون برقة وطرابلس الغرب، وأن الغرمانت Gramantes كانوا يعيشون عيشة بدوية في الصحراء، وأن المكلي Machlyes والمكسي Maxyes استقروا في الساحل التونسي، وأن النوميديين استقروا في المنطقة الشرقية من المغرب الأقصى، ورابط الغتول Getules على حدود الصحراء والهضاب العليا، في حين انتشر المور Moors في المغرب الأوسط والأقصى، واستطاع الفينيقيون ومنهم القرطاجيون وكذلك اليونان، أن يستعمروا بعض المناطق من تلك البلاد، إلا أن تأثير هؤلاء في السكان الأصليين كان ضئيلاً، ما عدا المناطق المجاورة لقرطاجنة، وكان الأمازيغ منقسمين إلى قبائل متصارعة حالت دون إنشاء دولة قوية طويلة الأمد، ولكنهم كانوا يتحدون كلما أحدق بهم خطر أجنبي، على أنه في أثناء الحروب البونية، حين سادت الفوضى في المنطقة الشرقية، شهدت البلاد في وسطها وغربيها قيام نوع من النظام السياسي، وتمكن مسينيسا Massinissa، بدعم من الرومان، من إنشاء مملكة جمعت شمل الأمازيغ وامتدت من نهر مولوية، أي من الحدود المغربية الجزائرية الحالية، إلى خليج سرت على الحدود الليبية التونسية، ولكن هذه المملكة لم تعمر طويلاً فانقرضت عام 46ق.م وغدت نوميدية الشرقية (الجزائر اليوم) إحدى الولايات التابعة للرومان.

أما المملكة الموريتانية التي أنشأها أغسطس عام 17م، ونصب عليها يوبا الثاني JubaII، فقد كانت أقصر عمراً لأنها تحولت إلى ولاية رومانية عام 42م.

دام احتلال الرومان لشمالي إفريقية حتى القرن الخامس الميلادي، وامتزج الأمازيغ في هذه الحقبة بالأجانب في ولاية إفريقية (تونس) وفي نوميدية، ما عدا الذين كانوا يعيشون في الجبال والهضاب العليا أو في جوار الصحراء وموريتانية، وقد اقتصر الرومان في أثناء الاحتلال على تجنيد بعض الأهالي وفرض الجزية عليهم، وتركوا مقاليد الحكم لشيوخ القبائل، ومع ذلك لم تخمد جذوة الاستقلال لدى الأمازيغ، وتجلّت أحياناً في حركات تمرّدية بقيادة ثلة من المتأثرين نوعاً ما بحضارة الرومان، مثل تكفاريناس (17- 29م) Tacfarinas، وأحياناً في غارات يقوم بها بدو الصحراء، أو قبائل الدواخل، التي لم تأخذ بأسباب الحضارة الرومانية إلا قليلاً. ومن الأمثلة على ذلك: الهجمات التي شنها النسميون والغرمانت في عهدي أغسطس ودوميتيان، وحركات التمرّد التي قام بها المور في عهد هادريان وأنطونين وكومود، وثورة الغتول في أثناء الفوضى العسكرية التي عمّت صفوف الرومان، وانتفاضة القبائليين بجبال جرجرة في نهاية القرن الثالث.

وهكذا، بقدر ما كان الحكم الروماني يضعف تدريجياً، كان ردّ فعل الأمازيغ يزداد قوة، معبرين عن خصوصيتهم باعتناق المذاهب «الهرطقية»، كالدوناتية مثلاً (نسبة إلى دونات، أسقف قرطاجنة المتوفى سنة 355م الذي أنشأ بدعة أحدثت شقاقاً في النصرانية) مما يدل على تمسك الأمازيغ بشخصيتهم، ورفضهم الذوبان في الكيان الأجنبي، لأن الحروب الدينية التي اجتاحت إفريقية (تونس) في القرن الرابع الميلادي، لم تكن في الحقيقة إلا حروباً بين الأهالي الغيورين على وطنهم والغزاة المغتصبين. ومن ذلك مثلاً ثورة الأمير الأمازيغي فيرموس (372- 275م) الذي سيطر على مدينتي سيزاري (شرشال اليوم) وإيكوسيوم (الجزائر العاصمة اليوم) وثورة أخيه كيلدون (398م) الذي قطع عن رومة الضريبة السنوية من المحاصيل الزراعية بقصد تجويع إيطالية وعاصمتها.

ولما كانت نقطة الضعف لدى الأمازيغ تتمثل في عجزهم عن توحيد الصف للتصدي بقوة للعدو المشترك، فإن عداوتهم للرومان مهدت الطريق لغزو البرابرة الواندل Vandales الجرمانيين، وقد واجه هؤلاء من الأمازيغ المقاومة التي واجهها الرومان قبلهم. ولئن تأتّى لقائدهم جيسريك (428-477م) Gaiseric أن يطوّع الأمازيغ بتجنيدهم في جيشه، إن خلفاءه اضطروا إلى خوض معارك لا تنتهي معهم. واستطاعت موريتانية وبلاد القبائل والأوراس وطرابلس أن تحافظ على استقلالها.

لم يكن البيزنطيون أسعد حظاً في احتلالهم شمالي إفريقية من سابقيهم، فقد رفع الأهالي راية الكفاح بقيادة أنتالاس Antalas (في بيزاسين Byzacene بتونس) ويبداس Yabdas (في الأوراس بالجزائر) فوقفوا في وجه القائد العسكري سليمان Soloman المنتدب من الامبراطور البيزنطي جستنيان الأول. وبعد مقتل هذا القائد في الحملة الموجهة إلى قبائل لواتة في طرابلس أصبح موقف البيزنطيين في شمالي إفريقية حرجاً جداً، حتى إن حنا تروغليتا Jean Troglita لم يستطع صد هجوم لواتة إلا بمساعدة أمازيغ الأوراس. غير أن الأهالي في مجموعهم لم يدينوا بالولاء للحكم البيزنطي. وباستثناء بيزاسين (الجنوب التونسي) والولاية الإفريقية القديمة (الشمال التونسي) والمنطقة الشمالية من ولاية قسنطينة Costantine والحواضر الواقعة على الساحل وبعض المعاقل الموجودة في الدواخل، فإن الأمازيغ كانوا يتمتعون بالاستقلال وكانوا في ذلك الوقت يتألفون من ثلاثة أقسام رئيسية:

ـ في شرقي البلاد (طرابلس وبرقة والجريد والأوراس) تقيم قبائل لواتة، المتفرعة إلى هوارة وأورغة ونفزاوة وأوربة.

ـ في غربي البلاد (المغرب الأوسط والمغرب الأقصى) تقيم قبائل كتامة في منطقة القبائل الصغرى، والزواوة في منطقة القبائل الكبرى، والزناتة في الساحل الجزائري بين منطقة القبائل ونهر الشلف، وبنو يفرن في المنطقة الممتدة بين نهر الشلف شرقاً ونهر مولوية غرباً، وغمارة في الريف المغربي ومصمودة على الساحل الأطلسي، وجزولة في جبل الأطلس الكبير، ولمطة في جنوبي المغرب، وصنهاجة المعروفة باسم أهل اللثام التي تعيش عيشة البدو الرّحل في الصحراء الغربية.

ـ في البقاع المحاذية للهضاب العليا، والممتدة من طرابلس إلى جبل عمور، تقيم قبائل زناتة، ومن تلك البقاع تنتشر تدريجياً نحو المغرب الأوسط والمغرب الأقصى.

ب ـ الأمازيغ بعد الإسلام: لم يتغير الوضع السابق كثيراً بعد مجيء العرب المسلمين الذين اقتصروا في بداية فتح شمالي إفريقية على شن بعض الغارات، ثم عمدوا إلى إنشاء مدينة القيروان (50 هـ /670م) لتكون قاعدة تنطلق منها عملياتهم العسكرية. ومع ذلك فالحملات التي قادها عقبة بن نافع كانت أقرب إلى الغارات منها إلى الفتوح، لأنه لم يتمكن من الاستيلاء على المدن التي بقيت في يد البيزنطيين، كما تعذر عليه الوصول إلى معاقل الأهالي في الجبال المنيعة، بل إن أحد زعماء الأمازيغ، وهو كُسيلةُ، أخذ عقبة على حين غرة وقتله في تهوذة، وتمكّن من إجلاء العرب المسلمين عن إفريقية (تونس)، وإقامة مملكة أمازيغية ضمت الأوراس والجنوب القسنطيني والجزء الأكبر من تونس (68-71هـ /687-690م) لكن كُسيلة لم يصمد طويلاً، كما لم تُجدِ مقاومة أمازيغ الأوراس التي لا تزال تُروى في الحكايات الشعبية، ممثلة في شخصية بطلتها الكاهنة فقد تحقق النصر للمسلمين، وبدأ الإسلام ينتشر بينهم وانخرطوا في الجيوش التي استطاعت تحت الإمرة العربية وأحياناً الأمازيغية (طارق بن زياد) أن تفتح، في بضع سنين، الشمال الإفريقي كله والأندلس في أقل من نصف قرن، ومع ذلك فإن العلاقات بين العرب والأمازيغ لم يكن يسودها الصفاء بصورة دائمة، لأن الأمازيغ كان ينتابهم الشعور بأنهم لم ينالوا ما يستحقون من مكافأة على خدماتهم ولا يعاملون على قدم المساواة مع العرب، مما جعل بعضهم ينحازون إلى مذهب الخوارج الصفرية أو الإباضية.

بدأ هذا التمرد في غربي البلاد عام (122هـ/749م) بزعامة أحد رجال مدغرة من الخوارج الصفرية اسمه ميسرة السقّاء، وبعد مقتل ميسرة على يد أبناء عشيرته لأمور أنكروها عليه، ولّوا أمرهم خالد بن حميد الزناتي، الذي انتصر على الجيش الذي بعث به والي إفريقية عبيد الله بن الحبحاب بقيادة خالد ابن حبيب في موقعة الأشراف (122هـ)، فأرسل الخليفة هشام بن عبد الملك جيشاً للقضاء على الثورة بقيادة كلثوم بن عياض الذي هزم أيضاً وقتل (123هـ)، وألهب هذا النصر الذي أحرزه الخوارج حماسة بقية إخوانهم، فثار الخوارج الصفرية من زناتة وهوارة في المنطقة الواقعة بين قابس في إفريقية وطرابلس في ليبية وهددوا العاصمة القيروان، لولا تمكن حنظلة ابن صفوان، عامل هشام بن عبد الملك الجديد، من الانتصار على جيشين لهم بمعونة أهل القيروان في معركتين: معركة الأصنام على بعد مرحلة من القيروان، ومعركة القرن على بعد 6 أميال منها أواخر (124هـ/742م).

وعلى أهمية نصر جيش الخلافة بقيادة حنظلة بن صفوان، فإن ما أسفر عنه لم يتجاوز تخليص المغرب الأدنى أو إفريقية من الخوارج، أما بقية المغرب فبقيت بأيديهم، لأن الدولة انشغلت عقدين من السنين تقريباً بالفتن والثورات، وقُيّض لقبيلة ورفجومة الزناتية الخارجية (وهم من أتباع الصفرية) أن تحتل القيروان عام 139هـ/756م، ثم انتصرت قبيلة هوّارة (الإباضية المذهب) بقيادة أبي الخطّاب على قبيلة ورفجومة، وتأتّى لها أن تؤسس دولة إباضية تضم طرابلس وتونس والمقاطعة الشرقية من الجزائر، وبذلك زال بعض الوقت نفوذ الخليفة العباسي في إفريقية، على أن الأمازيغ ما لبثوا أن فقدوا ما غنموه بسبب انقسامهم المستمرّ، وكان ذلك إثر قدوم جيش من الشام وهزيمته لجيش أبي الخطّاب، فعادت إفريقية مرة أخرى إلى حوزة الخلافة العباسية عام (144هـ/761م)، لكنهم لم يتمكنوا من بسط سيطرتهم التامة على المغرب الأدنى إلا بعد أربعين سنة من المعارك الدامية التي بلغ عددها ثلاثمئة معركة، في رواية ابن خلدون. أما المغرب الأوسط والمغرب الأقصى فلم يدينا لهم بالولاء، بل تأسست في مختلف أرجائه دولة مستقلة عن الخليفة العباسي، تولّى الحكم فيها أمراء من أصل عربي، ورعاياها من الأمازيغ: ذلك هو شأن مملكة تيهرت (144- 296هـ/761- 908م) التي أسّسها الإمام ابن رستم، مستعيناً في ذلك بمن بقي على قيد الحياة من الإباضيين الفارين من المغرب الأدنى، والملتجئين إلى المغرب الأوسط، ومملكة سجلماسة التي تولّى الحكم فيها بنو مدرار (155- 366هـ/772- 977م) ومملكة تلمسان التي أسسها أبو قرة، شيخ بني يفرن، ومملكة نَكَّور في الريف بالمغرب الأقصى، ودولة بَرَغواطة على ساحل المحيط الأطلسي، ودولة الأدارسة التي أسسها إدريس الأوّل، من نسل الإمام علي بن أبي طالب في نهاية القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، بمساعدة القبائل الأمازيغية (مكناسة، سدراتة، زوّاغة).

لم يعترف من دول الشمال الإفريقي بسلطان العبّاسيين سوى دولة الأغالبة شبه المستقلّة (184-296هـ/800- 909م) التي عمد أمراؤها إلى تجنيد الأمازيغ لفتح صقلّية، إلا أن الأغالبة اضطّروا إلى إخماد حركات تمرّد كثيرة قام بها أهالي طرابلس والجنوب التونسي والزاب والحضنة في الجزائر، لأن مقاومة الأمازيغ للعرب لم تضعف عما كانت عليه،بل توافر لها من القوة ما مكنها من تحقيق النصر لمذهب الشيعة مع مخالفتها التامّة لمذاهب الخوارج التي كان الأمازيغ قد انتصروا لها في القرن السابق. فقد أمدت قبيلة كتامة الداعي أبا عبد الله الشيعي بالجند الذين حاربوا الأغالبة وأسسوا الدولة الفاطمية القوية بزعامة عبيد الله المهدي سنة 297هـ/910م.

ولم يتمكن الفاطميون من إخضاع جميع الأمازيغ المنتشرين في رقعة جغرافية واسعة، ولئن تمكنوا من القضاء على مملكة تيهرت فإنهم عجزوا عن منع الأدارسة من توطيد حكمهم في المغرب الأقصى، ولم يفلحوا في ضم قبيلتي مغراوة وزناتة إلى صفّهم، لتفضيلهما الولاء لبني أمية المستقرّين بالأندلس. كما اضطر الفاطميون إلى إخماد ثورة الخوارج التي قام بها أبو يزيد (332- 336هـ/943- 947م)، لأنها كانت خطراً على نفوذهم، ولم يتغلبوا عليهم إلاّ بفضل مؤازرة صنهاجة بالمغرب الأوسط. وما لبث الفاطميون أن تحولوا صوب المشرق، ولم يكد الخليفة المعز لدين الله يوطد حكمه في مصر (362هـ/973م) حتى انصرف عن الاهتمام بشمالي إفريقية حيث تجدد النزاع بين مختلف القبائل الأمازيغية، من غير أن يتوافر لأي منها القوة التي تمكّنها من السيطرة على غيرها.

أمّا في شرقي البلاد، فإنّ صنهاجة التي أخذت مكان كتامة، ساندت بني زيري، حُكّام إفريقية وطرابلس (362- 563هـ/973- 1167م). وأمّا في غربي البلاد، فقد انتقل الحكم إثر سقوط الأدارسة في المغرب إلى بني زناتة الذين كانوا في أول الأمر ولاة تابعين لبني أمية في الأندلس، ثم نصبوا أنفسهم أمراء مستقلين في فاس واستمروا على هذه الحال إلى حين وصول المرابطين إلى الحكم (455هـ/1063م).

وفي بداية القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي تجزأت دولة بني زيري، فظهرت في المغرب الأوسط الدولة الحمادية التي دان أمراؤها بالولاء للخليفة العباسي في بغداد، واتخذوا القلعة ثم بجاية عاصمة لهم (405- 547هـ/1014- 1152م). ثم عمت الفوضى البلاد بسبب اشتداد الصراع بين الأمازيغ، وتفاقم الوضع باجتياح قبائل بني هلال البلاد في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، وتخريبهم لإفريقية وجزء من المغرب وتأثيرهم العميق في التركيب السكاني لإفريقية الشمالية.

وفي غمرة هذه الفوضى انتهجت أسرتان من الأمازيغ المرابطين والموحدين منهج الإصلاح الديني، وأسستا دولتين هما دولة المرابطين ودولة الموحدين، نجحت كل منهما في توطيد سلطانها في شمالي إفريقية. والحقيقة أن انتصار المرابطين هو في الوقت نفسه انتصار لقبائل لمتونة ومسوفة وجدّالة، التي كانت في ذلك الحين تعيش عيشة البداوة والترحّل فيما بين المغرب الأقصى الساحلي وضفاف نهري السنغال والنيجر. وقد اعتنقت الإسلام في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، غير أنه لم يكن لها منه سوى الاسم، إلى أن أخذت تعاليم هذا الدين الحنيف وشعائره من الإمام عبد الله بن ياسين مؤسس طائفة المرابطين، المتوفى سنة 451هـ/1059م. وقد أخذت دولة المرابطين الفتية على عاتقها القيام بالدعوة لهذا الدين في المناطق المأهولة بالسودان بقيادة أبي بكر بن عمر اللمتوني وفي الساحل المراكشي بقيادة يوسف بن تاشفين. وسرعان ما توسعت فتوحات المرابطين في هذه المناطق وتجاوزت تلك الحدود. وقد تأتّى ليوسف بن تاشفين أن يؤسّس مدينة مراكش (465هـ/1073م) وأن يُخضع المغرب الأقصى كلّه في بضع سنوات، وكذا المغرب الأوسط إلى حدود مملكة بني حماد، كما أنه أوقف زحف جيوش النصارى في الأندلس عندما هزمها في معركة الزلاقة (479هـ/1086م)، وأعاد توحيد الأندلس بعد أن أخضع ملوك الطوائف وظلّ سيّد الموقف فيها.

وكما كانت انتصارات المرابطين سريعة فكذلك كانت هزائمهم، إذ استنفدت تلك الانتصارات قوى الأمازيغ وكشف احتكاكهم بحضارة متفوقة على حضارتهم عن نقائصهم وفتَّ من عَضُدهم، فاختفى بربر الصحراء واضطر خلفاء المرابطين إلى التعويض عن الأمازيغ بتجنيد العبيد والمرتزقة من النصارى. ومن ناحية أخرى فإن المرابطين أخذوا يفرّطون في الدين ويثيرون بسلوكهم استياء المتشددين من المسلمين، وهذا ما حدا بالمَصَامِدة (المقيمين في الأطلس الأعلى) الذين تأثروا بدعوة ابن تومرت[ر] ومذهبه التوحيدي، إلى الثورة على المرابطين تحت إمرة قائد عظيم يدعى عبد المؤمن من قبيلة «كومية»، وتغلّبوا عليهم (541هـ/1147م).

كانت الدولة التي أنشأها الموحّدون أكثر اتساعاً من الدول السابقة، لأن عبد المؤمن، وإن لم يوفّق في إخضاع الأندلس بأكملها، إلا أنه استطاع أن يقضي على مملكة بني حمّاد في بجاية ومملكة بني زيري في إفريقية، وأن يطرد النصارى من الثغور (الموانئ) التي استولوا عليها، وأن يسيطر على سائر المناطق الممتدّة بين خليج سرت والمحيط الأطلسي. وبذلك قامت دولة أمازيغية عظيمة احتلّت كامل المنطقة الواقعة في شمالي إفريقية، ولكن سرعان ما تقوّضت هذه الدولة أيضاً، لأنّ الموحّدين لم يكونوا أكثر تمسكاً بالدين الحنيف من المرابطين، حتى إن أحدهم، واسمه المأمون لعن ابن تومرت جهاراً، وما لبث التنافس بين مختلف العشائر الأمازيغية أن مزق شمل المملكة التي بناها عبد المؤمن وانقسم المغرب آنذاك إلى عدة دول فتيّة وهي: بنو مرين في فاس، وبنو عبد الواد في تلمسان، والدولة الحفصية في تونس، ولم تستطع أي دولة من هذه الدول أن تفرض إرادتها على الأخريات، أو أن تحظى بالهيبة حتى بين رعاياها فقد استمرت القبائل في المناطق الجبلية بمراكش في تمردها على بني مرين، وفي المغرب الأوسط خرج عن طاعة أمراء قسنطينة وبجاية وتونس بنو ومانو في الونشريس، والزواوة في جرجرة، والقبائليون في ولاية قسنطينة، وسكّان الميزاب والجريد، وكذلك كان الأمر في واحات جبل نفوسة والأوراس.

إن عجز الأمازيغ عن تنظيم أنفسهم ضمن دولة كبيرة واحدة أمر واضح للعيان، ولذلك يصعب على الباحث تتبع تاريخ قبائل الأمازيغ إلا إذا عمد إلى تقويم دور القبائل المختلفة، ولكن هذا العمل يبدو معقداً جداً نتيجة للتطورات والانقلاب في الأوضاع إثر اجتياح بني هلال للبلاد. ففي السهوب والهضاب اختلط الأمازيغ بالعرب، وتخلوا تدريجياً عن لغتهم وعاداتهم، بل استعاضوا عن اسمهم القديم باسم شخص عربي مشهور لعقد صلة النسب معه، وبهذه الكيفية أصبحوا من المستعربين، على أن هذا الانقلاب السكاني لم يمس بعض الفئات التي اجتمعت في الجبال المنيعة، كالأوراس وجرجة بالجزائر، والريف وجبال الأطلس بمراكش. وانضمّ إليهم هناك لاجئون كثر من مختلف الأجناس، كما نزحت بعض الفئات الأخرى منهم إلى الصحراء. وابتداءً من القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي أصبح الأمازيغ يشكلون في المنطقة الواقعة على حدود السودان (الجنس الأسود) صفّاً من السكان يقابل الصفّ الذي شكّله العرب على حدود المغرب الأدنى والأوسط والأقصى. وقد صاحب هذا التدهور في الأوضاع تأخر حضاري حتى صار كثير من الأمازيغ أقرب إلى الهمجية، ولم يحتفظوا من الإسلام إلا ببعض الجوانب السطحية، وكان رجوعهم إلى الإسلام في القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي بفضل المرابطين (أي المتمسكين بالدين من نزلاء الرباطات)، الذين قيل إنهم وفدوا من جنوبي مراكش ومن الساقية الحمراء التي اشتهرت لدى العامة بأنها موطن الأولياء الصالحين. وقد بلغ من تأثير هؤلاء أن طائفة من القبائل الأمازيغية كانت جد حريصة على وصل نسبها بهم.

مواطنهم
يؤلف الأمازيغ في ماضيهم وحاضرهم العنصر السكاني الغالب في الشمال الإفريقي، إلا أنهم قوم غير متجانسين، لأن معظمهم ليس لهم من الأمازيغية سوى اللغة، وهؤلاء لا يزيد عددهم على ستة ملايين، علماً بأنه لم يجر إلى اليوم إيّ إحصاء دقيق لهم. والأمازيغي ثنائي، بل أحياناً ثلاثي اللغة، لكن أكثرهم نسوا أصلهم وتخلّوا عن لغتهم وعاداتهم، واصطنعوا لأنفسهم نسباً عربياً مع وجود فئة قليلة أخرى تفتخر بأصلها الأمازيغي، مع أنها لا تتحدّث بلغة الأجداد. وبوجه عام فإن لغة الأمازيغ ما فتئت تتقلّص أمام العربية، ولاسيما بعد انتزاع الاستقلال من المستعمر الدخيل، فقد سارع هذا الأمر في تقلّص الرقعة الجغرافية الناطقة «بثامازيغث» (لغة الأمازيغ) ومن الظواهر التي سجلها التاريخ السياسي المعاصر، زوال «ثامازيغث» تماماً في بعض المناطق، لاسيما تلك الواقعة في شرقي البلاد، ومن المؤكد أن الوضع السياسي في شمالي إفريقية سوف يكون في مصلحة انتشار اللغة العربية، على أن معظم الأحزاب السياسية متفقة على الاعتراف بالثقافة الأمازيغية ولاسيما في الجزائر، عنصراً من عناصر الشخصية الوطنية.

ومع ذلك فلا تزال جماعات كثيرة من الأمازيغ تعيش في المناطق الجبلية وفي الصحراء حيث بقي التغلغل العربي ضعيفاً، مما ساعد الأمازيغ على الحفاظ على لغتهم وتقاليدهم هناك لتكون شاهداً على الوضعية العرقية واللغوية التي كانت سائدة في العصور القديمة. ومما قد يتعجب منه الإنسان، أن هناك من أبناء الأمازيغ من لا يحسن العربية الدارجة، بل لا يتكلم بها إطلاقاً، لكنه يحفظ القرآن عن ظهر قلب. وذلك أن المناطق الجبلية ظلّت أيام الاحتلال معقلاً للزوايا التي حافظت على التراث الوطني الأصيل، وهذا هو السبب في أنّ «ثامازيغث» تزخر بالعشرات من المفردات المعجمية التي أغفلت تماماً في اللهجات العربية حتى في الفصحى في الوقت الحاضر.

ويمكن القول إن كثافة التجمعات الأمازيغية تتزايد من الشرق إلى الغرب. وهم منتشرون ضمن رقعة جغرافية مترامية الأطراف، تمتد من الحدود المصرية (واحة سيوة وجربوب) شرقاً، إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن البحر المتوسط شمالاً إلى حد انعطاف نهر النيجر (شاطئ همبوري Hambori الصخري) جنوباً.

في ليبية: تقيم جماعات الأمازيغ في جبال برقة وجبال غريان، ويَفْرَنْ، ونفوسة، كما تقيم أيضاً في واحات أَوجيلة، وسخنة، وتمسّا وعلى الساحل في زوارة، وعلى الحدود المصرية ـ الليبية في واحة سيوة، وتزعم بعض الجماعات التي تعيش في ضواحي طرابلس (أوجيلة وأورفلة) أنها أمازيغية الأصل مع أن لغة التخاطب بينهم هي العربية، ومجموعهم نحو 23% من سكان البلاد.

في تونس: تقيم جماعات الأمازيغ في ست قرى من جزيرة جربة، وهي عجيم وجلالة وصد وبقش والماي ومحبوبين وصدغيان، وتضاف إليها سبع قرى ببلاد تونس وهي: تماغورث وزراوة وتاوجوط وتامازيرث وشنيني ودويرة وسند، فضلاً عن جماعة ذات شأن منهم في مطماطة، وقد نزح الكثير من هؤلاء الأمازيغ إلى مدن الشمال، وخاصة تونس العاصمة، حيث يشغل بعضهم مناصب مرموقة، ومجموعهم نحو 1% من السكان.

في الجزائر: إن منطقة القبائل وجبال الأوراس هما معقل الأمازيغ حيث اتخذت حركة مقاومة الغزاة لها مركزاً. ولا تفصل بين منطقتي القبائل والأوراس سوى رقعة ضيقة يقيم بها العرب (في سطيف وضواحيها). أما في التل الجزائري والوهراني فالتجمعات الأمازيغية ضئيلة، باستثناء جبل البليدة والمنطقة الواقعة شمالي نهر الشلف (الونشريس، جندل، بنو مناصر، شنوة)، كما توجد جماعات أخرى على الحدود الجزائرية ـ المغربية (بنو سوس، قريباً من تلمسان) ومجموعهم نحو 30% من السكان.

في المغرب: ساعدت التضاريس الجغرافية للمغرب كثيراً على احتفاظ الأمازيغ بخصوصيتهم، وهم يسمون الشلح، ومع أن الكثير من القبائل تخلت عن استعمال الأمازيغية في التخاطب، إلا أن هذه اللغة ما تزال متداولة في المناطق الجبلية التي تقيم بها زناتة ومصمودة وصنهاجة في الريف المراكشي، وفي جبال الأطلس الشمالي والجنوبي، وفي سهول سوس Sous.

في الصحراء: يقيم الأمازيغ اليوم في المناطق الصحراوية بالجزائر والمغرب. وفي واحات وادي ريغ وورقلة (وركلان)، ونفّوسة، وفي القرى السبع بمنطقة ميزاب الجزائرية العطف وغرداية ومليكة وبنورة وبني يزفن والقرارة وبرّيّان، وفي قصور (قرى محصنة) قورارة وتوات وتيديكلت وفقّيق وتافيلالت ودادس، وفي رقعة مثلّثة الشكل شاسعة الأرجاء، بين غدامس في الشمال وتمبكتو في الجنوب الغربي وزندر في الجنوب الشرقي (غاط وجنّات والهفار)، حيث تعيش قبائل الطوارق. ما تزال «ثامازيغث» مستعملة في زناتة بموريتانية (نحو 250000 من السكان، منهم الترارزة)، وهي مستعملة أيضاً في ودّان، وإن كانت هذه اللهجة تختلط فيها «ثامازيغث» باللغة المحليّة المسمّاة الآزر L’Azer.

في ديار الهجرة والغربة: لا بدّ هنا من التفريق بين الهجرة الداخلية للأمازيغ، أي النزوح من المناطق المذكورة آنفاً إلى كبريات المدن بالمغرب كالدار البيضاء والرباط، أو بالجزائر كالعاصمة الجزائرية ووهران، حيث يكثر عددهم، والهجرة خارج حدود وطنهم، كما هو شأنهم في لبنان، حيث يعيش أحفاد من قبيلة كتامة، وفدوا إليه مع الفاطميين، وكما هو شأنهم في سورية ولاسيما دمشق، حيث هاجر كثير منهم مع بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830)، أو التحقوا بالأمير عبد القادر وأحفاده في ديار الغربة (1852). وقد استقرّ أكثرهم هناك ولم يعودوا إلى الوطن بعد الاستقلال (1962). وكذلك هو الشأن في بعض البلدان الأوربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لأن التجنيد الإجباري شملهم، فشاركوا في معاركها واستقر كثير منهم في فرنسة وألمانية وإيطالية، كما أرغمتهم ظروف المعيشة القاسية على الرحيل إلى بلدان أخرى ومنها القارّة الأمريكية، ولكن معظم الأمازيغ المهاجرين قصد فرنسة التي استقطبت نحو المليونين من المغتربين الوافدين إليها من شمالي إفريقية من الجزائر خاصة (أكثر من مليون)، وجُلّ هؤلاء من القبائليين النازحين عن جبال جرجرة القاحلة طلباً للرزق أو طمعاً في تحسين أوضاعهم الاجتماعية، مع كل ما يصحب ذلك من صعوبة في الاندماج ومن سوء التكيّف في بلد أخذ يضيق ذرعاً بالجموع الغفيرة من المغتربين واللاجئين (نحو أربعة ملايين من مختلف الأجناس).

معتقداتهم
كان الأمازيغ في العصور القديمة يدينون بعدد من العقائد المحليّة المختلفة باختلاف القبائل، ولا تتوافر معلومات كافية عن معتقداتهم، ويغلب على الظن أنهم كانوا يقدسون الكهوف والصخور والجبال والعيون والأشجار والأنهار، وكذلك بعض الأجرام السماوية كالشمس والقمر والكواكب الأخرى، وآثار ذلك باقية في الأساطير والاعتقادات والشعائر الدينية التي يمارسونها، وأكثر ما تلاحظ في الطقوس والأعياد الخاصة بالفلاحة من أجل الاستسقاء والحصاد، ولدى إقامة الأفراح في مناسبات معينة، وكما تبدو واضحة في احترامهم الأولياء الصالحين والاعتقاد بأنهم يتمتعون بالبركة، فيقيمون على أضرحتهم قباباً يزورونها ويتقرّبون إليها بالأضاحي ولا شك في أن الأمازيغ تأثروا منذ العهد البونيقي بالديانات الأجنبية، فدخل الكثير منهم في اليهودية التي انتشرت في شمالي إفريقية، بحيث يمكن القول إن أكثر الأهالي المتهوّدين، باستثناء المضطهدين الفارّين من الأندلس في القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي، هم من نسل الأمازيغ المعتنقين لليهودية قبل دخول الإسلام. وقد مهدت اليهودية الطريق للنصرانية التي سرعان ما انتشرت على كثرة العقبات التي واجهتها في مجتمع يدين بالوثنية ويميل إلى الثورة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن النصرانية أفسحت في المجال أمام الأمازيغ لتوحيد كلمتهم في مواجهة الحكم الروماني، فاعتنقوا المذاهب المنشقّة عن الكنيسة في رومة (كالمذهب الأريوسي، والمذهب الدوناتي) وغيرهما.

وكذلك وحد الأمازيغ كلمتهم في بدء الفتح الإسلامي، لأنهم عدوا الفاتحين الجدد في البداية كغيرهم ممن سبقوهم. ولئن كانت جميع التفاصيل المتعلّقة باعتناق الأمازيغ للإسلام نهائياً غير معروفة جيداً، إن بعض المؤرخين كابن خلدون يؤكدون أنهم ارتدوا عن الإسلام اثنتي عشرة مرة، ولم يتم إسلامهم جميعاً إلا في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، حين لم يبق أحد منهم على دين المسيح، في حين ظلت بعض الطوائف القليلة العدد على دين اليهود إلى يومنا هذا. ويقول المؤرّخ أبو إسحاق أطفيش في هذا الصدد: «لقد حصل امتزاج البربر بالعرب منذ أذعنوا للإسلام ووقفوا على كمالاته الخلقية والدينية والاجتماعية بما لم يقع منهم على أمة من الأمم التي استولت على شمالي إفريقية، وذلك لأمور: الأول أنهم من أصل واحد وهو السامية. والثاني أنهم رأوا من جلال الهداية الإسلامية ما لم يروه قبلها. الثالث أن العرب اتخذوا بلاد البربر وطناً لهم فكانوا مع البربر جنباً إلى جنب: عملاً ومصاهرة واختلاطاً، بخلاف الروم والوندال والقرطاجيين والرومان، فإنهم كانوا بمعزل عن أبناء البلاد. الرابع وجود التوافق في كثير من الشيم والعادات بين العرب والبربر، كإكرام الضيف والغيرة على العرض والشمم والأنفة وحماية الذمار وبساطة المعيشة، وكان من البربر فحول من العلماء والشعراء والفلاسفة، ألفوا في العلوم العربية والشرعية كأنهم من أقحاح العرب».

إن هذا الامتزاج بين الأمازيغ والعرب هو الذي جعل العلاّمة ابن خلدون يقول في الصفحات الأولى من «المقدمة»: «فأنشأت في التاريخ كتاباً رفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حجاباً، وفصّلته في الأخبار والاعتبار باباً باباً، وبنيته على أخبار الأمم الذين عمروا المغرب في هذه الأعصار، وملؤوا أكناف النواحي منه والأمصار، وما كان لهم من الدول الطوال أو القصار، ومن سلف من الملوك والأنصار، وهم العرب والبربر، إذ هما الجيلان اللذان عرف بالمغرب مأواهما، وطال فيه على الأحقاب مثواهما، حتى لا يكاد يتصور فيه ما عداهما»، ولعل ابن خلدون كان مبالغاً حين أضاف: «ولا يعرف أهله من أجيال الآدميين سواهما» لأن أجناساً كثيرة سبقت العرب واحتلت شمالي إفريقية. ولكن الذي يشفع لابن خلدون، هو أن تلك الأمم الغابرة لم تتجاوب مع الأهالي، لا في الأخلاق ولا في التقاليد ولا في المعتقدات، فكان مصيرها العبور بأرض رفضت أن تكون لهم مستقراً ومقاماً.

كان الأمازيغ في بداية الفتح على مذهب السّنة، ولكنهم سرعان ما انقلبوا إلى الأخذ بآراء الشراة والخوارج من الصفرية والإباضية التي بدت لهم أقرب إلى تحقيق المساواة من غيرها. ومنهم من انحاز إلى مذهب الشيعة وإلى الأدارسة في فاس (المغرب الأقصى)، وانحاز بعضهم الآخر إلى الإسماعيلية الفاطميين، وقدمت قبيلة كتامة الدعم الأساسي لعبيد الله المهدي. كما ظهر هذا الميل إلى التطرف في اتجاه معاكس مع قبيلة لمتونة التي انتصرت لأهل السنة من المرابطين في الصحراء، وكذلك مع قبيلة مصمودة في الأطلس التي أسست دولة الموحّدين وقضت على من خالف معتقدها، باستثناء بعض الطوائف من الخوارج الذين اعتصموا بالجبال أو لاذوا بالصحراء والسواحل المحاذية للبحر، استعداداً للهجرة إلى ما وراء البحر.

وقد وقعت محاولتان لإقامة دين جديد في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي بمنطقة الريف (شمالي المغرب) وعلى الساحل الأطلسي، أما المحاولة الأولى فكانت على يد شخص يهودي الأصل من برباطة بالأندلس اسمه صالح بن طريف، أظهر الإسلام فانخدعت به بعض قبائل البربر واتبعت تعاليمه الشبيهة بدين المجوس فعرفوا باسم «البرغواطية» (وهو تحريف لبرباطية)، وأما المحاولة الثانية فقد كانت على يد شخص عرف باسم حاميم المفتري. وفيما يخصّ المذاهب الإسلامية الأربعة، فإن أكثرها انتشاراً بين الأمازيغ هو مذهب مالك ابن أنس، ويليه مذهب أبي حنيفة النّعمان. وقد أنجب الأمازيغ قبل إسلامهم أحد أقطاب الفكر المسيحي، وهو القدّيس أُغسطينوس (354- 430م)، أسقف بلدة هيبون التاريخية، القريبة من مدينة عنابة بالجزائر، وهو من مواليد ثاغست Thagaste (تسمى اليوم سوق أهراس). كما ظهر منهم بعد إسلامهم مفكرون كبار في علوم الشريعة وعلوم اللغة خاصة. كما اشتهرت بعض المناطق الأمازيغية باحتضانها الكثير من الزوايا التي كان لها شأن كبير من الحفاظ على الشخصية الوطنية وعلى التراث الثقافي الذي كان مهدداً بالزوال في عهد الاستعمار.

تقاليدهم ونظامهم الاجتماعي
استرعى انتباه الباحثين تقاليد الأمازيغ المخالفة بعض الشيء لتقاليد العرب، ولاسيما فيما يتعلق بالمرأة التي تتمتع بمزيد من الحرية لدى الطوارق في الهُغار Joggar، وبكثير من الاحترام لدى الشاوية في الأوراس، وهي لا تحتجب لدى القبائليين، ما عدا نساء الطائفة التي تسمى المرابطين أي المشايخ ورجال الدين، لأن كل قرية لها مرابطون يتكفلون بالشؤون الدينية (صلاة الجمعة والجنازة والأعياد)، ويحلّون النزاعات، والزواج بينهم محصور في نطاق المرابطين، غير أنه يحق للمرابط أن يتزوج امرأة غير مرابطة، وليس العكس. وعلى العموم فالزواج عندهم وسيلة للحفاظ على صلات الدم وعلى العصبية، فالمصاهرة تتم في أغلب الأحيان بين الأقارب، ولاسيما بين أبناء العم، لكن هذه العادات أخذت اليوم تزول تدريجياً، وخاصة في المدن، حيث لم يبق ثمة فرق بين المرابط وغير المرابط، بسبب زوال الوظائف التي كان يقوم بها المرابط في القرية، وحيث أصبح للزواج اعتبارات أخرى. على أنه لا ينبغي أن يفهم من القرابة بالعَصَبة أن الأسرة الأمازيغية منغلقة، ولا تفسح في المجال للتضامن والتآزر، بل على العكس، لأنَّ الجماعة «ثاجمايث» تقوم بدور أساسي في نسج خيوط التآخي بين أفراد القرية، إذ لا بد من وجود «ثاجمايت» فيها، وهي كالنادي يتردد عليه أفراد القرية في أوقات الراحة للتداول في مختلف الشؤون، فضلاً عن المسجد الذي لا تكاد تخلو منه قرية، ويقوم هو كذلك بجمع الشمل وغرس القيم.

ترتكز معيشة الأمازيغ على تعاطي الفلاحة والتجارة وممارسة مختلف الصنائع في نظام اجتماعي هو مزيج من النظامين البدوي والحضري. ويتخذ بعضهم الخيام سكناً في الصحراء، في حين يشيد البعض الآخر داراً متواضعة من الحجر والملاط، يؤلف مجموعها حومة (أذروم)، ومن مجموع الحومات تتألَّف القرية (ثادّارت) في جبال جرجرة في منطقة القبائل. وثمة فريق ثالث يشيدون داراً فاخرة يؤلف مجموعها حيّاً سكنياً يسمى القصبة، وهذه الديار (في جنوبي مراكش)، تشبه بهندستها المعمارية المباني الموجودة في جنوبي الجزيرة العربية.

ومما استرعى انتباه الباحثين أيضاً بقاء العادات، أي ما اتفق الناس على فعله وتوارثوه من جيل إلى آخر. وينطبق هذا الأمر في بلاد القبائل على تحديد حقوق الفرد وميراثه، منها على سبيل المثال أن لا يكون للمرأة نصيب في الأراضي والعقارات، مخافة أن تنتقل بالزواج إلى أسر أخرى، علماً بأن إخوتها من الذكور يكفلونها إذا هي أصبحت مطلّقة أو أرملة. وهناك تقاليد أخرى تسمى العرف، والفرق بين العادات والأعراف، أن العادات ملزمة للقبائل كلها ولا يجوز تعديلها إلا بموافقتها. كأن تقضي العادة أن لا ينقل الفرد مكان إقامته من قرية إلى أخرى، ويعد ذلك عاراً بسبب انسلاخه عن أبناء عشيرته وانتهاكه لقانون القرابة بالعَصَبة، وانتقاله إلى قوم قد يحدث معهم صراع أو نزاع في المستقبل حول ملكية الأراضي أو غير ذلك. أما الأعراف فهي ملزمة لأفراد القبيلة، ولهم الحق في تعديلها. كأن تحدد مبلغ الغرامة التي يجب دفعها في حالة تغيب الفرد عن اجتماع أهالي القرية، أو في حالة دخول قطيع جاره إلى حقله، إن هذه التقاليد traditions، المتمثلة في العادات usages والأعراف coutumes إنما هي شفاهية، وغير مكتوبة، وإن كان بعض أمناء القرية قد أخذوا يدونون بالعربية وحتى بالفرنسية ـ ولكن ليس باللغة الأمازيغية ـ أنواع المخالفات والمبلغ المستحق لكل منها، ويعدلونها كلما اقتضى الأمر ذلك، علماً بأن السجن غير وارد في العقوبات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن القضاء الفرنسي لم يكن مطبقاً في المناطق النائية بالقبائل والأوراس، حيث توجد قرى لم تطأها أقدام المستعمرين إلا إبّان الثورة الجزائرية (1954- 1962)، وكان يتولى القضاء فيها حكّام أو مشايخ من المرابطين أو أعضاء الجماعة (ثاجمايث)، أي اللجنة المكلفة تسيير الشؤون العامة في القرية والفصل في النزاعات وتحديد مبلغ الدّية. فهذه المحاكم الأهلية كانت سريّة في الجزائر، ولكنها اكتست في المغرب صبغة قانونية بصدور الظهير البربري المؤرخ في 16 أيار 1930، وهو مرسوم تشريعي ملكي ينظم شؤون البربر في المغرب.

شؤون البربر في المغرب
وكما أن تقاليد الأمازيغ مختلفة بعض الاختلاف عن تقاليد العرب، فكذلك الأمر في النظام الاجتماعي والسياسي القائم هناك على القرابة بالعَصَبة. وأصغر وحدة اجتماعية عند الأمازيغ هي «الكانون» أي الموقد الذي يجتمع حوله أفراد الأسرة الواحدة للتدفئة في الشتاء وانتظار الطعام (الكسكسي) الذي يقدم في قصعة يتحلّق حولها الرجال، وقصعة أخرى تتحلق حولها النساء. وتسمى الدار التي تضم أفراد الأسرة «الحارة»، وقد يصل عدد سكانها إلى أربعين، لأن أحوال الأمن القاسية، واغتراب الرجال داخل الوطن أو خارجه، والظهور بمظهر القوة كيلا يستضعفهم أحد، كل ذلك يقتضي التجمع في حارة واحدة، ومن هذه الحارات تتألّف الحومة (أذروم)، ومن الحومات تتألّف (ثادرات)، ومن القرى تتألّف العشيرة (لارش)، ومن العشائر تتألّف القبيلة (لَقْبايل).

إن مبدأ القرابة يندرج في نطاق الولاء التام للجماعة، وهذا المبدأ الثاني المكمّل للأول يفرض على كل فرد واجب التضامن والتعاون، كالسّخرة الجماعية (تيويزة) مجّاناً، مثل بناء الدار، وما يستلزمه من نقل مواد البناء الثقيلة، على أكتاف الرجال أحياناً، من مكان بعيد، ومثل إيواء المسافرين وإطعامهم في بيت مخصص لهذا الغرض، ومثل منح الحماية للمستضعفين، ومثل الإنفاق على الفقراء والمساكين في مناسبة خاصة وتسمى عندهم ثيمشرط وتتميز بذبح الثيران وتوزيع لحومها، على نفقة الأغنياء والمغتربين العائدين إلى الوطن.

ولئن كان النظام الاجتماعي يوحي لأوّل وهلة بأنه قائم على مبادئ الإخاء والتعاون في الشدائد والتآزر في الملمّات، فإن النظام السياسي يكشف عن وجود نسقين متعارضين تماماً ولكنهما قابلان للتوفيق، مما يشير إلى تنوّع العناصر العرقية الملتئم شملها تحت شعار الأمازيغية، أولهما هو النسق الأرستقراطي المتميز بالتعايش بين طبقة من الأعيان والأشراف، المستعدة دوماً لخوض المعارك، وطبقة أخرى من رجال الدين، وطبقة من الأتباع، وجماعة من المأمورين أو الخدم (يسمى الواحد منهم الخديم). إن هذا النسق من النظام السياسي موجود لدى الطوارق الذين يحكمهم رئيس الجميع، ويسمى أمين العقل، وكل قبيلة يحكمها شخص يلقبونه أمغار، أي الشيخ، وثانيهما هو النسق الديمقراطي الذي يعتمد على نوع من الحكم الجمهوري، أو نوع من الشورى في سنّ القوانين. ومن ذلك: نظام القرى في بلاد القبائل والأوراس (بالجزائر) وجبال الأطلس (بالمغرب). وفي الحقيقة ليس لهذا النظام السياسي من الديمقراطية سوى الشكل، لأن القرار السياسي محصور في الأعيان والأغنياء والمشايخ ورجال الدين.

لغات الأمازيغ
حاول المستشرق الفرنسي روني باسي، في النصف الأول من القرن العشرين، أن يقدم نبذة تاريخية وافية عن لغة الأمازيغ. غير أن البحوث التي قام بها هو وغيره طرحت الكثير من التساؤلات التي ظلت بلا جواب. ومع ذلك فإن النتائج لم تكن سلبية تماماً لأن تلك البحوث مكنت من جمع المادة وتصنيفها وتحليلها. وقد جرت محاولات لاستنباط محصلة ترقى إلى مستوى الحقائق اليقينية لدى بعضهم، وتظلّ في مستوى الفرضيات الواهية لدى آخرين.

لكن الشيء المؤكّد، على أي حال، هو أن «ثامازيغث» لغة سماعية شفوية بالدرجة الأولى، وأن تاريخها غير معروف بسبب افتقارها للوثائق المكتوبة. وذلك أن الشروع في تدوين نصوصها لم يتم إلا في القرن التاسع عشر. أما الكلمات التي وصلتنا عن طريق الدارسين (من مختلف الأجناس) فقد مسّها التحريف، فأعطت صورة باهتة عن اللغة في واقعها. حتى الأمازيغية التي يتحدث بها أهالي جزر الكناري (لغة الغوانش guanche)، مع أنها بقيت على أصلها ولم تتأثر بلغات الغزاة الفاتحين، فهي لا تساعد كثيراً على الكشف عن أسرارها: ما أصلها؟ ما طبيعتها؟ متى وضعت؟.

إن الباحث اللساني عندما يستقصي بحثه إلى ما وراء عصر الموحدين، لا يعثر على أي وثيقة أمازيغية، ذلك أن القرون الأولى من الفتح الإسلامي مظلمة له أكثر مما هي للباحث المؤرخ. أما العصور القديمة فإنها تضع الباحث أمام مشكلات عويصة لكونها حافلة بالآثار والوثائق حول اللهجات الإفريقية، إلا أنها ما تزال وستبقى في طيّ المجهول، لأن الأهالي لم يتكلّفوا باستنطاقها، وهم بذلك أجدر، وعلى كشف أسرارها أقدر لو شاؤوا، لكنهم تركوا الأمر كله للمستشرقين والمستكشفين الأجانب، حتى أصبحت وقفاً عليهم، لا ينازعهم في ذلك أحد.

والأغرب من هذا أنه، إذا أراد أحد من الأمازيغ أن يبحث في أمثال هذه المسائل فإنه يصادف من بني قومه نوعاً من العداء والنفور، وقد يعد من دعاة التفرقة بين السكان، ومن بقايا أعوان الاستعمار. وأكبر دليل على ذلك أن كرسي اللغة والثقافة الأمازيغية ألغي في الكثير من الجامعات المغاربية، والبحوث العلمية في هذا الميدان مفقودة أو تكاد، ولم تسترجع الأمازيغية بعض الاعتبار إلا في عام 1990 بفتح دائرة لها في جامعة تيزي وزّو (الجزائر).

ولئن كان من المتعذر اليوم، بسبب قلة الباحثين، إقامة البرهان على وجود صلات القرابة بين ثامازيغث واللهجات الإفريقية أو انعدامها، فإن بعض الآثار والوثائق السابقة الذكر متوافرة في وطن الأمازيغ. فقد كُشف ما يزيد على الألف من المنقوشات الليبية على الحجر، وحروف هجائها معروفة بقدر كاف، إلا أن ترجمة العبارات المنقوشة متباينة إلى حد بعيد، ومعنى ذلك أن تلك الكتابات ما تزال تحتفظ بسرّها. كذلك تم العثور في شرقي ليبية على كتابات بالحروف اللاتينية لم تعرف معانيها ما عدا بعض الكلمات اللاتينية والبونيقية (البونية) الواردة في النص الليبي. أضف إلى ذلك أن كثيراً من الألفاظ الإفريقية (ومعظمها أسماء أعلام) مبثوثة في الكتابات البونيقية واليونانية واللاتينية خاصة، وقد تأكّد أن بعضها بونيقية، أما الباقي فأصلها مجهول.

يستنتج من هذا كله أن مادة البحث، وإن كانت وافرة، إلا أنها لم تعط النتائج المرجوّة، والسبب في ذلك أن الباحثين قلما يغامرون في هذه المجاهل، ولا يقدمون على خوض هذا الميدان إلا عرضاً، لدى قيامهم بالتحقيق في مجالات أخرى. ومن ناحية أخرى فإن هذه الكتابات الأثرية مبثوثة هنا وهناك عبر الزمان والمكان، ولم يتوصّل الباحثون إلى تحديد تاريخها، ما عدا واحدة تحمل تاريخ 139ق.م.

أمام هذا البعد التاريخي الذي يمتد عبر القرون، وأمام هذا البعد المكاني الذي يمتدّ هو الآخر من الحدود المصرية إلى موريتانية، بل يمتدّ في بعض جوانبه الثقافية والحضارية واللغوية، من الخليج إلى المحيط، فإن الباحث ينبغي أن يكون حذراً في إطلاق أحكامه فلا ينساق وراء الحلول السهلة، كأن يظن أن المفتاح لمعرفة أصل «تامازيغث» يتمثّل في دراسة اللهجات الأمازيغية وتأليف المعاجم لها، وإجراء المقارنات بين مفرداتها، واستخلاص وجوه التقارب والتباعد، وكذلك عدم التسرع في وضع الفرضيات التي لا تتوافر لها البراهين الكافية. كأن يفترض وجود ارتباط مباشر بين الليبية والأمازيغية وأن إحداهما مشتقّة من الأخرى، مع التسليم بأن البربر هم أول من سكن شمالي إفريقية منذ أقدم العصور. وهنا يطرح سؤالان: هل كانت توجد لغة أخرى غير الأمازيغية في هذه المنطقة؟ وهل هي اللغة التي تتضمنها الكتابات الليبية؟ إن الشيء المؤكد هو وجود تشابه بين الكتابة الليبية والكتابة الطوارقية إلا أن هذا لا يعني وجود قرابة بين اللغتين.

هناك محاولات كثيرة لإيجاد صلات القرابة بين «تامازيغث» وغيرها من اللغات. قد بالغ بعضهم بمقارنتها بلغة الباسك ولغة الحوصة (الهوسا). ويرى روسلر Rossler أن «تامازيغث» إنما هي لغة سامية قريبة من الأكدية. أما النظرية الراجحة فهي التي تقول إن «تامازيغث» تنتمي إلى شجرة اللغات الحامية ـ السامية hamito semetic، وتندرج فيها مع اللغة المصرية القديمة واللغات الكوشية أو الحامية المتداولة في الحبشة (إثيوبية)، وهي متفرعة عن اللغات السامية.

لكن الأهم من كل هذه المحاولات هو أن يعكف الباحثون المتخصّصون في علم اللهجات في شمالي إفريقية، على دراسة مدى تأثير العربية المغاربية في «ثامازيغث»، والعكس بالعكس. إذ تعد المفردات التي استعارتها «ثامازيغث» الحديثة من العربية بالمئات، كما أن العربية استعارت هي أيضاً الكثير من المفردات الأمازيغية، مثل: قلمونة (غطاء الرأس)، قندورة (عباءة)، برنوس (ثوب فضفاض من الصوف)، كسكسي (نوع من الطعام).

كذلك يوجد تشابه كبير بين «ثامازيغث» وبعض اللهجات المتداولة في اليمن والحبشة. ولا بد كذلك من الإشارة إلى تأثير الفرنسية في «ثامازيغث» إذ انتقلت المفردات التي استعارتها العربية الدارجة من الفرنسية، إلى الأمازيغية (وتعدّ بالعشرات)، وفيما يخص الرصيد اللغوي «لثامازيغث» فقد أثار هذا الموضوع اهتماماً كبيراً، إلاّ أن الدراسات التي أنجزت غير دقيقة، ولا يتوافر إحصاء شامل لكل مفردات هذه اللغة. وقد أحصى كل من معجم فوك foucauld في اللهجة الطوارقية، ومعجم دالَة dallet في اللهجة القبائلية، على التوالي1400-3500 من الأفعال غير المزيدة، ويشتمل هذا الرصيد على حصيلة مشتركة بين سائر اللهجات، ومما يلفت الانتباه، كثرة المفردات المستعارة من الفرنسية (باستثناء الدارجة الطوارقية التي حافظت على صفائها النسبي)، إلا أن الاستعارة من العربية أقوى،لأنّها أثّرت ليس فقط في الرصيد اللغوي، بل كذلك في قواعد النحو والصرف وأساليب التعبير، ويتميز هذا الرصيد بأنه يتعلق بالمحسوس لا بالمجرّد، وهو دقيق كل الدقة فيما يخص تربية الناقة والجمل عند الطوارق، والفلاحة والسقي في الأطلس الكبير ومنطقة القبائل أما في المجال الديني والثقافي، فالمفردات الموظّفة فيهما مستعارة بالدرجة الأولى من العربية، علماً بأن مجالات الإبداع في الأمثال والأشعار وقصص الأطفال كشفت عن إمكانات أدبية لا يستهان بها.

الدارجة واللهجة: إن دراسة الدارجات مكّنت الباحثين من تخطّي المشكلة العويصة المتمثلة في إثارة أسئلة تكاد تكون ميتافيزيقية، من نوع: ما أصل «ثامازيغث» وإلى أي شجرة من اللغات تنتمي؟ فدراسة الدارجة تنقل الباحث من مجال الفرضيات والنظريات إلى مجال اللغة في واقعها، كما يتحدث بها الناس في رقعة جغرافية محدودة، ولذلك أسفرت هذه الدراسة عن نتائج إيجابية، من بينها أنه أمكن تحديد أهمّ الدارجات وهي:

دارجة صنهاجة، المتداولة في الصحراء الغربية وموريتانية ولدى بعض القبائل الطوارق.

دارجة الشُّلُح، في السوس الأقصى بالمغرب.

دارجة جبال الأطلس بالمغرب.

دارجة الريف بشمالي المغرب.

دارجة زناتة، ما بين المغرب والجزائر.

دارجة قصور، في واحات تيذيكلك، توات، غورارا، زناته، الونشريس.

دارجة زواوة في منطقة القبائل الكبرى وبجاية، وهي من اللهجات التي حافظت على أصالتها نسبياً.

دارجة ميزاب وورقلة ووادي ريغ.

دارجة الشاوية في جبال الأوراس.

دارجة القبائل الصغرى، المتداولة ما بين سطيف وسوق أهراس بالجزائر.

دارجة قبائل مطماطة وسند وجزيرة جربة بتونس.

دارجة جبل نفوسة، القريبة من لهجة سكان الواحات، مثل غدامس وغاته، أوجلة وسيوة وعلى الحدود الليبية المصرية.

إن تحديد هذه الدارجات خطوة إيجابية في مجال البحث العلمي. ومع ذلك تبقى المشكلة قائمة عند تصنيفها، فقد ذهب بعضهم إلى أن تصنيفها ينبغي أن يكون على أساس تقسيم السكان إلى قبائل فيُقال: دارجة صنهاجة، دارجة زناتة، دارجة الشُّلّح، وغير ذلك، ويؤكد هؤلاء بأن الخصائص اللسانية هي التي يجب اعتمادها، لذلك يمكن أن تُصنَّف من حيث كونها انسيابية dialectes spirants أو انغلاقية occlusifs. وهنا يلاحظ أن بين الشلح مثلاً، مع أن الشلحة هي الدارجة التي تجمعهم، فروقاً في كيفية تلفظهم ببعض الصوتيات (فونيمات)، فهل يمكن تقسيمهم إلى فئات لغوية أصغر؟ إن هذا التساؤل جعل «باسي» يتخلى عن عبارة «الدارجة» dealecte ويتبنَّى عبارة «اللهجة» parlez، لأن الدارجة يمكن أن تنقسم إلى 4000 أو5000 لهجة، والجغرافية اللسانية تقول إن كل رقعة من البلاد تتميز بألفاظها وتعابيرها وكيفيات نطقها. ورأي «باسي»، وإن كان وجيهاً لا يمنع من القول بوجود نوع من الانسجام اللغوي في المناطق ذات الوحدة الجغرافية خاصة كبلاد الشُّلّح والقبائل والأوراس. أما النقطة التي يختم بها هذا العرض فهي أن الاتصال اللفظي لدى الأمازيغ يتميز على العموم بوحدة اللسان الذي من خصائصه التنوع في كيفيات النطق وأساليب التعبير.

الآداب والفنون
الآداب: عند تصفح كتب التاريخ القديم والحديث لا يعثر للأمازيغ على لغة تعبر عن حضارتهم سوى لغة الأجانب الذين احتلوا بلادهم. فقد استعمل الأدباء عندهم قليلاً اللغة البونية في الكتابات الجدارية، واللغة اللاتينية. ومنهم «أبولي» apulie والقديس أوغسطينوس. ومن المحتمل أن يكون بعضهم قد كتب باليونانية، ولكن أكثرهم كتب بالعربية من أمثال ابن خلدون والعشرات من الأمازيغ المعاصرين الممتلكين زمام لغة الضاد، أمثال مفدي زكريا ومولود قاسم ونايت بلقاسم وصالح خرفي وعثمان سعدي وأحمد الأخضر غزال وحنفي بن عيسى، وبالفرنسية في عهد الاستعمار، حتى بعد الاستقلال مثل مولود فرعون، ومولود العمري، وكاتب ياسين، وطاوس عمروش، وغيرهم. لكن هذا لا يمنع من القول إنه مع وجود أزمة في أداة التعبير، فثمة أدب أمازيغي أصيل (كتابي أو سماعي)، وأدب شعبي يتجلى خاصة في الأمثال والحكم والأقوال والقصائد من الشعر. والأدب وثيق الصلة بحياة الأمازيغ، ففي بيوت منطقة القبائل وفي خيام الصحراء، لا تكاد المرأة تشرع في تشغيل رحى اليد حتى ينطلق لسانها بالغناء ولا ينام وليدها إلا على ترنيمة مهدهدة، كما أن الأمسيات تجمع أفراد الأسرة والجيران حول القصّاص أو القصّاصة، بل حتى أشغال الحقول لا تخلو من الغناء، حيث تردد جنبات الوديان ترانيم الفلاحين. وهناك مناسبات خاصة تكثر فيها الفرص للرقص والغناء وإنشاد القصائد الدينية، كحفلات الزواج والمولد النبوي وموسم زيارة الأولياء الصالحين، ويتّخذ الغناء وسيلة للإمتاع الفني أو للمؤانسة أو للتنفيس عن الكرب أو لنسيان الهموم، أو لمجرّد التسلية، كما هو الشأن في الأناشيد التي تصحب الأشغال في ورشات البناء وفي الحقول.

قد يقول قائل إن هذا النمط من الإنتاج الثقافي أقرب إلى الفنون الشعبية منه إلى الأدب، ومع ذلك فلا يجوز أن يقتصر على المعايير الكلاسيكية في تقويم آثار فنية تعاقبت عليها حقب الدهر، ونقلت معها نكهة الماضي، وإن كانت تنتمي إلى صنف الإنتاج الثقافي الطقوسي النمطي، فهي في الوقت نفسه تنمُّ على حساسية مرهفة وتؤدي وظيفة فنية وتكشف عن براعة صاحبها في تكثيف خبرته الذاتية ومقدرته على صياغة المعاني في قوالب الألفاظ. من ذلك بعض الأناشيد التي ترافق بها النساء طحن الحبوب برحى اليد في الأطلس المتوسط المراكشي، وكذلك بعض القصائد التي تصف المعارك وتمجّد الأبطال.

لما صدرت القصص، أو الحكايات contes الأمازيغية في أواخر القرن التاسع عشر، وتوالى صدورها في القرن العشرين، استرعت اهتمام رجال الأدب المقارن، فاستخرجوا منها الموضوعات التي تناولتها، وعقدوا مقارنة بينها وبين الحكايات المتداولة في المشرق الإسلامي وحوض البحر المتوسط وبلدان أوربة الغربية، ولكن مثل هذه الدراسة تدخل في نطاق اللسانيات العرقية ithnolinguistique لأن قصد أصحابها هوالتماس وجوه الشبه والاختلاف في العقليات والاتجاهات والمطامح والأذواق بين شعوب هذه المناطق، وبذلك أهملوا دراسة فنّ الحكاية الأمازيغية التي تختلف لغتها، من حيث المبنى والمعنى، عن لغة التفاهم اليومي. فلغة الحكاية فيها من التعابير ومن التحايل على المعنى، ومن البراعة في إحداث الأثر المطلوب، ما يجعلها أقرب إلى الإبداع الأدبي منها إلى الأدب الشعبي. أما الشعر فإن أول ما يلفت النظر حرص الشعراء (بعضهم يجمع بين الشعر والموسيقى، فيؤلف النصّ ويلحّنه)، على الصدق في التعبير وإتقان الصناعة اللفظية من أجل إثارة إعجاب السامع أوالقارئ.

إن الإنتاج الفكري في ثامازيغث يثير مشكلة اختيار الكتابة الملائمة لمختلف الأصوات اللغوية ملاءمة واضحة، وهي مطروحة اليوم للنقاش بعدما شرع في إعادة الاعتبار للثقافة الأمازيغية في الجزائر خاصة. وهناك محاولات لإحياء حروف الهجاء التيفيناغية، القريبة فيما يبدو، من حروف الهجاء الليبية القديمة.

إن اعتماد تلك الحروف يضع المثقف المغاربي أمام ثلاثة أنظمة من الحروف: أولاً الحروف العربية التي لا غنى عنها، لأنها كانت وستكون العمدة الأساسية في بناء صرح حضارة المغرب.

ثانياً: الحروف اللاتينية التي لا غنى عنها هي أيضاً، لمواكبة العصر والحوار البناء مع الحضارات العالمية وخاصة تلك التي ازدهرت في حوض البحر المتوسط. ثالثاً: نظام آخر من الحروف التيفيناغية التي يستلزم إتقانها بذل جهد إضافي لأنها تكاد تكون غريبة عن شعب الأمازيغ ولا حاجة إليها إلا من أجل القيام بالدراسات التاريخية والبحوث الأثرية لاستنطاق الكتابات الجدارية، وربما لن يتيسر تعلمها والتدرب عليها إلا للباحثين.

لهذه الأسباب يبدو أن اعتماد الحروف العربية في كتابة النصوص الأمازيغية هو السبيل الأقوم للأسباب الآتية:

أولاً: لأن العربية هي أداة الاتصال المثلى في الوطن العربي مشرقاً ومغرباً، بكل فئاته وطوائفه ومذاهبه وحساسياته الدينية وغيرها.

ثانياً: لأن الحروف العربية قريبة من الحروف الأمازيغية بدليل أن الأمازيغ ينطقون بالعربية من غير لكنة أعجمية، خلافاً للأجانب الذين قلما تستقيم ألسنتهم على مخارج حروفها.

ثالثاً: لأن الاتجاه في الكتابة العربية إنما هو من اليمين إلى اليسار، وكذلك الأمر في الكتابة الأمازيغية.

رابعاً: لأن ثامازيغث تشتمل على مئات من مفردات لغة الضاد، ولم يبق إلا أن يجتهد علماء الصوت phoneticiens واللسانيون في وضع قواعد وإيجاد الصيغ التي يتأتى بها التمثيل الأمين للأصوات الأمازيغية، بقصد تسهيل عملية القراءة من غير عثرات ولا عقبات.

إن هذا التعديل الخفيف في الرسم الإملائي، والاجتهاد في إيجاد الحروف الناقصة ضروريان لمشروع استعمال الحرف العربي في كتابة النصوص الأمازيغية ولتطوير العربية، إذ بذلك يمكن التخلص من مشكلة الرسم الإملائي للهمزة، ومن الحيرة التي تنتاب القارئ عندما يحاول نطق بعض الكلمات على الوجه الصحيح، ويمكن لغة الضاد من إعارة حروفها الهجائية لمختلف اللغات المتداولة في العالم الإسلامي، ولاسيما في القارة الإفريقية التي تفتقر لهجاتها المرشحة لأن تصبح لغات رسمية، إلى الحرف الملائم لها. ولا يخفى على أحد أن الكتبة والطباعين وعامة الناس يتغافلون دائماً عن وضع الهمزة والشدَّة مما يزيد القراءة عسراً، في زمان أصبحت فيه الدول تجنّد النفسانيين والتربويين لوضع تقنيات التدرب على القراءة السريعة عن طريق تحديد عوامل «قراءة النص» readability وذلك بقصد ربح الوقت والإحاطة بالعلوم، لأن القراءة هي مفتاحها.

إن إعارة الحرف العربي للغات ذات علاقة بالحضارة الإسلامية هي الخطوة الأولى نحو إنشاء مجموعة الدول الناطقة بالعربية (العربوفونية)، على منوال الأنجلوفونية والفرنكوفونية واللوزوفونية (الناطقة بالبرتغالية)، وبذلك تحتل العربية مكان الصدارة بين اللغات الحيّة، وتنهض بالرسالة المنوطة بها، وتعزز مكانتها بين العالم.

وفيما يخص الآثار الأدبية الموسومة بالطابع الديني، فقد نسج معظمها على منوال المصنفات العربية ولا يزيد عددها على بضع عشرات، علماً بأنه لم ينشر منها إلا القليل، وقد كان القصد من تأليفها تعليم الناس أركان الإسلام وهداية المؤمنين، ومن هذه الآثار مصنفان، كتبهما بالشلحة محمد بن علي بن إبراهيم في القرن الثامن عشر، أحدهما عنوانه «الحوض» رسالة مستمدة من «المختصر» لسيدي خليل في الفقه الإسلامي، وقد ترجمها إلى الفرنسية لوسياني luciani (الجزائر1897)، أما الثاني فهو تكملة الأوَّل، وعنوانه «بحر الدموع»، وقد تولى المترجم دوسلان de slane نشر جزء منه. وممَّا له صلة بهذا النوع من التأليف ترجمة القرآن إلى الأمازيغية على يد حاميم وصالح بن طريف، ولكن لم يبق لها أثر، شأنها في ذلك شأن المؤلفات الثلاثة التي كتبها بالشلحة المهدي بن تومرت مؤسس دولة الموحِّدين. وعلى العموم يمكن القول إن الأمازيغ، منهم خاصة، والخوارج، اهتموا بتأليف الكتب الدينية، ومن بينها «المدوَنة» في الحديث،لابن غانم الإباضي. ويقول الشيخ إبراهيم أطفيش: «وقد عني الإبَاضية بالتأليف بالبربرية منذ ظهروا بين البربر أوائل القرن الثاني للهجرة، وكانت هذه الوسيلة من أسباب تمكين البربر في الإسلام».

وحتى الشعر اتّسم هو أيضاً بالطابع الديني مثل قصيدة «جعابي» التي وصف فيها كيف نزل شاب إلى الجحيم بحثاً عن والديه، وقصائد سيدي حمو وفاطمة تاجورامت وقصة المعراج والترجمة الأمازيغية لقصيدة البوصيري «البردة»، والمدائح الدينية وغيرها ويضاف إلى ذلك ما أنجزته الإرساليات الكاثوليكية والبروتستنتية من ترجمة للإنجيل بثامازيغث (العهد القديم والعهد الجديد)، بقصد التبشير والتنصير.

وفيما عدا الكتب الدينية التي ذكر بعضها، فإن الإنتاج الأدبي في غيرها للموضوعات قليل، ويقتصر هنا على الإشارة إلى صدور بعض المعاجم (عربي ـ أمازيغي) أو بعض الكتب في الطب التقليدي، وكتاب «وصف غرب إفريقية» (ألفه سيدي إبراهيم بلهجة ثاشلحيت)، وكتاب «وصف جبل نفوسة» (ألفه الشماخي باللهجة النفوسية). ويمكن أن يضاف إلى ما سبق مجموعة من القصص بعنوان «كتاب الشلحة» والمقتبس من كتاب «بختيار نامة»، وقصص «المئة ليلة» التي تولى روني باسي جمعها وترجمتها إلى الفرنسية ونشرها في «مجلة التقاليد الشعبية» و«نصوص النثر الطوارقي» التي نشرها شارل دي فوكو Ch.De foucauld (الجزائر 1922) كذلك تجدر الإشارة إلى أن «جذاذية التوثيق الأمازيغي» التي تولى إصدارها منذ 1947 الأب دالي Dallet في مدينة فور ناسيونال بالجزائر (تسمى اليوم الأربعاء ناث ييراثن) لم تقتصر على نشر الوثائق اللغوية والعرقية، بل نشرت أيضاً بعض النصوص وبعض المسرحيات المكتوبة بلغة ثامازيغث.

هناك مؤلفات أخرى تسمى «القانون»، لها علاقة بالعادات والأعراف التي كانت وما تزال إلى اليوم محسوسة في سلوك الأفراد ومعاملاتهم، وهي محفوظة لديهم بالسّماع وقد تولى جمعها كل من ابن سديرة Ben Sedira: «دروس في اللغة القبائلية»، وبوليفة Boulifa: «قانون آذني» Le Kanoun D’Adni.

أما الأدب الشعبي (الفلكلور)، فهو من الناحية اللغوية، أكثر أهمية لجلاء الثقافة الأمازيغية من المؤلفات الأدبية الدينية، لأن هذه الأخيرة اختلطت بالعربية اختلاطاً كبيراً، في حين بقي الأدب الشعبي الأمازيغي نقياً، خالياً من الدخيل ومتنوعاً ما بين قصص عجيبة وحكايات مضحكة أو مسلية، وأحاجٍ محيرة وأساطير تاريخية أو دينية ومدائح نبوية وخطب مأثورة في الأفراح والأتراح، وأمثال وأقوال يتناقلها الشيوخ ذوو الحكمة من جيل إلى جيل وكذلك النساء الموهوبات في الأدب الشعبي. وقد كان من السهل على الباحثين استقاء هذا النوع من الأدب بفنونه المختلفة لا على أساس كونها فلكلوراً بل على أساس كونها قواعد لغوية ونصوصاً ثقافية.

أما الشعر الدنيوي فمع أنه ما يزال موسوماً بالطابع البدائي إلا أنه يعد الفن الأدبي الأمازيغي الأكثر أصالة، وبين الأمازيغ شعراء محترفون إذا صح التعبير، مع أن الموضوع الأساسي الذي يتطرقون إليه منحصر في الحب والحرب. فهؤلاء الشعراء يجوبون مختلف أرجاء البلاد، للمشاركة في إحياء المناسبات العظيمة وإلقاء قصائد المدح، يتوجهون بها لذوي الحسب والنسب والمال. أو قصائد الهجاء لمن خيب ظنهم. ومن بين هؤلاء القبائلي سي محند أو محند، والطوارقية داسين، اشتهرا على الصعيد المحلي مع أن آثارهما ترقى إلى مستوى رفيع من الفن الإبداعي، ولعل السبب في ذلك أن الشعر بقي سماعياً، وهو معرض للنسيان لأنه لا يوجد رواة للأدب الشعبي الذي لا يحظى بالرعاية الكافية.

الفنون: لم يبق من آثار الأمازيغ الفنيّة إلا الشيء القليل، من نوع النقوش والرسومات الصخرية، التي هي غاية في الروعة والجمال. لكن علماء الآثار يتساءلون عما إذا كان الذين أنجزوها هم فعلاً من الأمازيغ لكثرة الأجناس البشرية التي تعاقبت على شمالي إفريقية والشيء المؤكد على أي حال، هو أن ما بقي من الآثار المعمارية الأمازيغية القديمة لا يرقى إلى مستوى الفن المعماري العربي والأندلسي. ذلك أن صورة الإنسان الأمازيغي في العصور القديمة، هي صورة الرجل الريفي أو البدوي المترحل الذي يكفيه أن يمتلك بعض الأدوات الضرورية القابلة للنقل من مكان إلى مكان. لذلك اقتصرت الفنون عنده على إدخال بعض العناصر الجمالية الزخرفية على المكان الذي يحتضنه ويعيش فيه، كما اقتصرت على بعض الصناعات التقليدية التي لا يسعى من ورائها إلى إثارة الإعجاب بقدر ما يسعى إلى تحقيق المنفعة. فمصنوعاته التي يرغب فيها ويطلبها بعض الأجانب تنحصر في الزرابي (السجاد) والستائر والخيام والحصائر (جمع حصيرة) والحرائر والدباغة والسراجة والحلي والمطرزات والمرصعات والخزفيات والنحاسيات، أما من حيث الزخرفة والتزيين والتنميق، فكل ذلك يتمثل في الخط المستقيم (المثلث والمعين والمربع، وغيرها) فضلاً عن صناعة الأثاث واستعمال الخشب في الزخرفة والتفنن في تمثيل بعض الحيوانات، مع الامتناع عن تشخيص الإنسان في صورة تمثال، عملاً بما أقره الإسلام من تحريم كل ما له علاقة بالأصنام.

حنفي بن عيسى

مراجع للاستزادة
ـ ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر (مطبعة بولاق 1284هـ).
ـ ابن خلدون، المقدمة (بيروت 1982).
ـ ابن عذاري، البيان المُغْرب (ليدن 1848-1851).
ـ عبد العزيز بن عبد الله، تطور الفكر واللغة في المغرب الحديث، معهد البحوث والدراسات العربية (الجامعة العربية 1969).
ـ شارل أندري جوليان، تاريخ إفريقية الشمالية، تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة (تونس 1969).
– A.BASSET, La langue berbere, morphlpgie, etude de themes (Paris 1919).
– H.BASSET, Etude sur la literature des berberes (Alger 1938).
– L’ art des berberes (Alger 1956).
– A.ROUX, La vie berbere par les texts (Paris 1955).
– E.WESTERMARCK, Ritual and Belief in Morocco (London 1926).

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: